حوار – رزان دهمش، عمر حاتم، مريم اشرف
لم يعد الاستثمار حديث النخبة أو دوائر الأعمال المغلقة، بل أصبح جزءًا من المشهد العام و لغة طموح يتحدثها جيل كامل، في ظل تنامي الاهتمام بريادة الأعمال واتساع حضورها في الوعي المجتمعي.
وفي إطار هذا التحول، برزت تجربة «شارك تانك» كأكثرمن مجرد برنامج تلفزيوني؛ إنها «اختبار علني» يُفكك شيفرة النجاح. وقد نجحت في ملامسة غريزة «الحلم»لدى البشر؛ فخلف كل عرض استثماري حكاية إنسان يخوض معركته الخاصة. لكن العبقرية الحقيقية تكمن في ذلك الميزان الحساس الذي وضعه البرنامج، حيث تنتهي عاطفة الحالم وتبدأ صرامة المستثمر في تطبيق منطق السوق. كما مثلت انعكاسًا لتطور أوسع في الثقافة المجتمع المصري بشأن التفكير الاستثماري، وقدمت نموذجًا عمليًا لكيفية تقييم الفرص، ووزن المخاطر.
لكن، بعيداً عن أضواء الكاميرات، تظل هناك أسئلة مُعلقةحول فلسفة الاستثمار وحدوده، ما الذي يحكم القرارالاستثماري في لحظة الحسم؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين الجرأة المطلوبة لاقتناص الفرص والانضباط اللازم لضمان الاستدامة، خاصة في ظل بيئة اقتصادية تتسم بدرجة متزايدة من عدم اليقين؟
في هذا الحوار، يضع رجل الأعمال الـ«شارك» أيمن عباسلنا النقاط على الحروف، متحدثاً بلسان الخبرة ليقدمقراءة عملية لتجربة الاستثمار كما تُمارس على أرض الواقع، متناولًا معايير التقييم، وأبرز الأخطاء التي يقع فيها رواد الأعمال، ويكشف الفارق الجوهري بين «فكرة مبهرة» و«بيزنس قابل للنمو»، وصولاً إلى قراءة واقع السوق المصري ومستقبل رأس المال كقاطرة للتنمية لا مجرد رقم في معادلة الربح.
ما بين الترفيه والتأثير الحقيقي، يُثار دائمًا سؤال حول طبيعة ما يقدمه «شارك تانك».. فهل هو مجرد برنامج ترفيهي أم أنه يعكس تحولًا أعمق لثقافة استثمار؟
لو كان مجرد ترفيه، لما نجح في الاستمرار بهذه القوة والحفاظ على الزخم الذي حققه منذ البداية. استمرارية هذا البرنامج ليست ضربة حظ، بل نتيجة لفتحه باباً ظلت خلفه طموحات الناس حبيسة لسنوات. فجأة، وبلا مقدمات، تغلغلت لغة ال«بيزنس» في نسيجنا اليومي؛ فأصبحنا نسمع مصلحات مثل معدلات النمو، الحصة السوقية، والتقييم في أحاديث عفوية بين طلاب الجامعات أو في بيوتنا. البرنامج لم يزرع ثقافة الاستثمار بقدر ما سلط الضوء عليها وجعلها مرئية وواقعاً نعيشه لا مجرد مصطلحات غريبة نقرأ عنها ولا نفهمها.. وهذا ما صنع الفارق الكبير.
نجاح البرنامج لم يكن محليًا فقط، بل تكرر في عشرات الدول. وهو ما يطرح تساؤلًا حول السر الحقيقي وراء جاذبية هذا النموذج عالميًا؟
ببساطة لأن الناس يحبون «الحلم»، وينجذبون لفكرة وجود فرصة لتحقيقه. فكل مشروع يُعرض على المنصة ليس مجرد أرقام على شاشة، بل هو حكاية إنسان يخوض معركته الخاصة لتحقيق حلمه،فالمشاهد لا يتابع صفقة تجارية، بل يراقب مزيجاً من الجرأة، والخوف، والشغف، يتجسد في لحظة واحدة.
لكن العبقرية الحقيقية تكمن في التوازن؛ فالبرنامج يعلمنا أن الحلم وحده لا يكفي، بل يجب أن يٌقاس بميزان الواقع ويُحاسب بلغة السوق. هذا المزيج بين عاطفة الحالم وصرامة المستثمر هو المحرك الذي جعل هذا النموذج يخترق القلوب والعقول حول العالم.
حين تأتي لحظة الحقيقة لاتخاذ قرار الاستثمار.. أين تضعرهانك الأول، هل في عبقرية الفكرة أم في شخصية صاحبها؟
الشخص أولاً. فالفكرة، مهما بلغت براعتها، قد تتبدل أو تتغير عشرات المرات لتناسب تقلبات السوق، لكن «المؤسس» هو الثابت الوحيد في هذه الرحلة. ونحن لا نبحث عن مجرد صاحب مشروع، بل نتطلع لشخص لديه المرونة الكافية ويستطيع تحمل الضغوط، فضلًا عن ضرورة امتلاكه الشجاعة للاعتراف بخطئه وتعديل مساره. في النهاية، الاستثمار ليس مجرد صفقة مع فكرة قوية، بل هو عقد شراكة مع إنسان، والرهان الحقيقي يكون دائماً على من يمتلك النفس الطويل والصفات الأفضل.
يتفاجأ الجمهور برفضكم لأفكار تبدو مبتكرة أو غير تقليدية، فما هي معاييركم لاتخاذ القرار؟
لأن السوق ليس معرضًا للأفكار، إنما هو ساحة معركة للتنفيذ. لذا فقرارنا لا يحكُمه الإعجاب بل «الاستدامة»؛ فالفكرة العظيمة التي تفتقر إلى نموذج ربحي واضح، أو تأتي في توقيت غير مناسب، هي مجرد حلم جميل محكوم عليه بالفشل قبل أن يبدأ.
ونحن نستثمر في القابلية للتحقق؛ فالاستثمار في النهاية هو قرار عملي صارم، وليس مجرد تصفيق لابتكار غير ملموس. الفرق بيننا وبين المشاهد، هو أننا لا ننظر إلى «جمال اللوحة»، بل نحكم بمنطق السوق.
في ظل التقلبات الاقتصادية وعدم اليقين الذان نعيشه ما اليوم… كيف يبحث المستثمر عن فرصه ويُقيم المخاطرة؟
في لغة المال والأعمال، كلمة «صفر مخاطرة» هي كذبة بيضاء؛فالخطر هو في أغلب الأحيان رفيق لكل رحلة استثمارية، لكن الفارق الجوهري الذي يفصل بين النجاح والفشل هو شعرة رفيعة تسمى المخاطرة المحسوبة، وهي التي تمنعك من تحويل جُرأتك إلى اندفاع متهور. وقبل أي خطوة، يجب أن تضع مشروعك أمام مجموعة من الأسئلة، وهي: ما هو السيناريو الأسوأ، وهل تمتلك «الملاءة»النفسية والمالية لتحمل أقصى خسارة ممكنة؟ هل يستطيع المشروع الصمود في ظروف أكثر قسوة، وهل توجد خطة بديلة (Plan B) إذا تغيرت الظروف؟
فالاستثمار الحقيقي ليس «قفزة في الظلام»، بل هو ميزان دقيق نضع في كفته الفرص القوية، وفي الأخرى المخاطر المحتملة، ولا نتخذ القرار إلا حين تميل الكفة بوضوح نحو الرؤية الواضحة واليقين العملي.
رغم الطابع العقلاني للاستثمار، يظل العامل الإنساني حاضرًا بدرجات متفاوتة… هل تُدخل العاطفة في قرارك؟
بشكل محدود، فعلى الرغم من الثقة عنصر إنساني مهم، لكن بناء قرار استثماري على مجرد إحساس هو مغامرة غير مأمونة العواقب. وقاعدتي الدائمة هي «التكامل»؛ فلا بد للأرقام أن تدعم هذا الإحساس وتؤكده، ولا بد للارتياح النفسي أن يبارك لغة الأرقام.
لماذا قد تنسحب من صفقة رغم إعجابك بالمشروع؟
لأن الإعجاب وحده لا يصنع شراكة ناجحة، القرار الاستثماري ليس مجرد تسجيل إعجاب على فكرة ذكية، بل هو ارتباط طويل الأمد يتطلب أكثر من مجرد الانبهار؛ ولا يمكنني الدخول في التزام كهذا بـ«نصف اقتناع».
فقد أخرج من الصفقة لأسباب استراتيجية بحتة، تتلخص ببساطة في أن المشروع خارج ملعب خبرتي، فلن أستطيع إفادة صاحبه، أوحين لا تتوافق خطة المشروع مع استراتيجيتي الاستثمارية الخاصة، أو لأن توقيته غير مناسب لخططي الحالية.
تقييم الشركات في البرنامج يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول كونها مبالغ فيها… نريد أن نعرف منك مدى واقعيتها؟
من الطبيعي أن يرى كل مؤسس مشروعه كأنه «أغلى ما يملكويساوي ملايين»، وهذا الحماس هو الذي يدفعنا للإعجاب بهم،وهنا يأتي دور التفاوض كجزء أساسي من اللعبة لمحاولة للوصول إلى رقم عادل يضمن استمرار المشروع. لكن في لغة الـ«بيزنس»، لابد أن يعكس التقييم الواقع، ويجب أن يعبر عن حجم الشركةالفعلي وقدرتها على الربح اليوم، مع مراعاة حجم السوق الحقيقي بعيداً عن التوقعات الوردية.
التجربة المتكررة مع عشرات المشروعات تكشف أن بعض الأخطاء… ما أكثر خطأ يتكرر من رواد الأعمال؟
الإفراط في التفاؤل على حساب الدقة. الحماس جميل، وهو المحرك الأول لأي نجاح، لكنه يتحول إلى فخ عندما يجعلك تغض البصر عن الأرقام الحقيقية، حيث أن كثير من رواد الأعمال يطرحون رؤية كبيرة، لكن دون فهم دقيق لتكاليفهم، أو مصادر إيراداتهم، أو حجم المخاطر التي قد يواجهونها. في المقابل المستثمر لا يبحث عن حلم كبير فقط، بل عن شخص يدرك تفاصيل مشروعه بالأرقام، ويعرف كيف يدير واقعه قبل أن يتحدث عن مستقبله.
ما الفرق بين صاحب فكرة ورائد أعمال حقيقي؟
صاحب الفكرة ينشغل بالمستقبل ويحبه، أما رائد الأعمال الحقيقي فيقف بثبات داخل الحاضر ليصنع ذلك المستقبل بيده، ويقرأ مشروعه بالأرقام قبل الشعارات، يعرف مُشكلات مشروعه أين يتعثر ولماذا، ويملك خطة تنفيذ واضحة يسير عليها خطوةً بخطوة، ولا يكتفي بالحلم، بل يحوّله إلى مسار عمل قابل للقياس والإنجاز.
لماذا قد يرفض رائد أعمال استثمارًا رغم حاجته للمال؟
لأن الشراكة لا تتعلق بالمال فقط، بل هي علاقة أعمق بكثير؛ لذا قد يختار رائد الأعمال الرفض لأنه يخشى فقدان السيطرة على مشروعه، أو يشعر بأن المستثمر لن يضيف له قيمة حقيقية تتجاوز الدعم المادي. وفي الحقيقة، أحياناً يكون هذا الرفض هو قمة النضج؛ لأن رائد الأعمال الذكي يعرف أن الشريك الخطأ قد يضر المشروع أكثر مما ينفعه، حتى لو كان لديه القدرة على تمويل المشروع بشكل كافي.
في وقتنا الحالي.. هل الظهور الأعلامي يمكن أن يفيد المشروع أكثر من قيمة الاستثمار نفسه؟
في بعض الحالات، نعم. الظهور الإعلامي قد يمنح المشروع ثقة وانتشارًا أسرع مما يحققه قيمة الاستثمار ذاته، لأنه يفتح أبواب السوق والعملاء في وقت قصير وقياسي. إلا أن الشهرة ليست ضماناً للنجاح إذا كان المشروع هشاً من الداخل. فإذا لم يدعم هذا الظهور نموذج عمل قوي وقادر على الصمود، ستكون الشهرة مجرد فقاعة سرعان ما تنفجر، ولن تعوض أبداً غياب الكفاءة والاستدامة.
من وجهة نظرك… هل تعتقد أن البرنامج قد يعطي صورة مبسطة أو مختصرة عن النجاح؟
قد يبدو الأمر كذلك إذا نظرنا للأمر بشكل سطحي؛ فعدسة الكاميرا تلتقط لحظة الانتصار فحسب، لكنها لا تعرض سنوات التعب والمحاولات الفاشلة التي سبقتها. النجاح الحقيقي ليس وليد الصدفة أو ضربة حظ أمام الشاشات، بل هو ثمرة عمل شاق وتجارب قاسية في الظل لا يراها أحد. والبرنامج يعرض نهاية الرحلة، أما الطريق الطويل فقد تم اجتيازه بالكثير من الصبر والإصرار.
كيف تصف واقع ومستقبل الاستثمار في السوق المصري اليوم؟
السوق المصري سوق ضخم ومليء بالفرص الحقيقية، لكنه لا يزال يحتاج إلى تسهيلات أكبر وتقبل أوسع لمفهوم «المخاطرة المحسوبة»، لأن الشباب المصري يمتلك طاقة إبداعية مذهلة ورغبة حقيقية في التغيير، وكل ما يحتاجه هؤلاء المبدعون هو بيئة عمل مرنة تحتضن أفكارهم وتساعدهم على تحويل أحلامهم إلى واقع ملموس.
من واقع خبرتك.. أيهما يصنع الفارق الحقيقي في بداية المشوار: «المال» أم «التوجيه والخبرة»؟
في البداية، يكون الإرشاد والتوجيه أهم بكثير من المال؛ لأن إمتلاك الأموال دون خبرة يجعل هناك إحتمالية لخسارته بشكل أسرع. لذا النصيحة الصحيحة في الوقت المناسب تحمي صاحب المشروع من أخطاء مكلفة، وتوفر عليه سنوات من المحاولة والخطأ. المال قد يبني المشروع، لكن الخبرة هي التي تضمن استمراره.
يتسع النقاش بشكل مستمر حول المسؤولية المجتمعية للمستثمر ودوره خارج حدود الربحية… فما هي وجهة نظرك بهذا الشأن؟
المستثمر ليس مجرد أداة لتحقيق العائد المالي وجني الأرباح، حيث أن رأس المال قوة تأثير حقيقية. وبطبيعة الحال عندما ينمو المجتمع ويصبح أكثر استقرارًا، تنمو الأعمال داخله بشكل طبيعي. لذلك، فأن الاستثمار الحقيقي لا يُقاس بالأرباح فقط، بل بالأثر طويل المدى الذي يتركه.
لماذا يُعد دعم المؤسسات الخيرية، مثل مستشفى الناس، ضرورة مُلحة وليس مجرد تبرع؟
لأن هذا الدعم هو «استثمار إنساني» طويل الأجل، فالصحة والاستقرار يمثلان أساس أي اقتصاد قوي. وعندما تدعم مؤسسة تخدم آلاف الأسر، فأنت تساهم في بناء مجتمع أكثر قدرة على العمل والإنتاج والنمو.
لماذا تحرصون على تقديم الندوات وورش العمل باستمرار؟
لأننا نؤمن بأن مشاركة «الخبرة» لا تقل أهمية عن الاستثمار بالمال؛ ففي هذه اللقاءات لا نتحدث عن النجاحات فقط، بل نشارك تجارب الفشل أيضاً بكل صراحة، لأن كليهما جزء لا يتجزأ من رحلة أي رائد أعمال.
في «زوايا لا تُرى» وبعيداً عن الأضواء.. ما هي جوانب حياتك التي لا يراها الجمهور وتختفي وراء الصورة المهنية؟
يرى الناس المستثمر الناجح أمام الكاميرات فقط، لكنهم لا يشهدون لحظات القلق قبل القرارات الكبرى، أو الجهد اليومي الشاق لتحقيق التوازن بين العمل والحياة. النجاح له جانب خفي لا يظهر للعلن؛ فهو عبارة عن انضباط مستمر وقرارات صعبة وصراع مع الشك أحياناً. خلف كل صورة مثالية في الإعلام، هناك إنسان بسيط يحاول أن يتعلم ويطور نفسه كل يوم.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم حول الدور الحقيقي للبرنامج.. هل «شارك تانك» يصنع رواد أعمال أم يكتشفهم؟
الشغف لا يمكن صناعته، فهو محرك داخلي يولد مع الإنسان. والبرنامج لا يصنع رائد الأعمال من العدم، لكنه يفتح له الأبواب، ويمنحه الفرصة، ويضع مشروعه تحت الأضواء. في النهاية، الشاشة لا تضمن الاستمرار؛ فالذي يكمل الطريق بنجاح هو صاحب الإصرار الحقيقي، سواء كان تحت أضواء الكاميرا أو بعيداً عنها.











