حوار – حبيبة أحمد، روضى طارق، مايا البنا
تحولت الممرات البحرية من تفاصيل جغرافية إلى مفاصل حاكمة في حركة الاقتصاد العالمي. مجرد اضطراب عابر في مضيق، أو تغيير في مسار ناقلات، يكفي لإعادة تسعير الطاقة، وإرباك التجارة، وامتداد الأثر تدريجيًا من الموانئ إلى موائد المستهلكين.
في الأشهر الأخيرة، لم تكن الأسواق تتحرك فقط بفعل الأرقام، بل تحت وطأة التوترات والرسائل السياسية، حيث يمكن لتهديد محدود أو تصعيد محسوب أن يدفع تكاليف الشحن للارتفاع بأكثر من 150%، ويضيف أيامًا طويلة إلى زمن الإمدادات، ويعيد رسم مسارات التجارة العالمية بالكامل.
هذا المشهد يكشف أن العالم لم يعد يدار بمنطق الاقتصاد وحده، بل بتقاطعات معقدة بين السياسة والطاقة والأمن. دول تعيد حساباتها، وتحالفات تتشكل على أساس الإمدادات، وأسواق أصبحت أكثر حساسية لأي إشارة جيوسياسية، مهما بدت محدودة.
في هذا السياق، تحاور مجلة «سكوب» أ.د. إبراهيم جلال فضلون، أستاذ العلاقات الدولية والشؤون الخارجية، ورئيس برنامج الاتحاد الأوروبي للشؤون السياسية، وهو أيضًا زميل بجامعة الدراسات الإنسانية في أوتريخت في الشؤون السياسية والاقتصادية، لفهم ما وراء هذه التحولات: كيف أعادت الحرب صياغة جيوسياسية الطاقة؟ ولماذا أصبحت الإمدادات أداة ضغط سياسي؟ وأين تقف مصر داخل هذا المشهد العالمي المتغير؟
مع تصاعد التوترات، تبدلت موازين الطاقة عالميًا.. كيف غير ذلك خريطة جيوسياسية الطاقة في ظل الصراعات الأخيرة؟
شهد عام 2025 وبدايات 2026 تحولًا جذريًا من مفهوم «العولمة الطاقوية» إلى الأقلمة والتحالفات الأمنية، حيث أثبتت الصراعات الإقليمية أن استقلالية القرار السياسي للدول المستوردة للطاقة أصبحت ترفًا يصعب تحقيقه. نحن نعيش الآن في عصر يمكن وصفه بوضوح بأنه «أمن الإمدادات يسبق السعر»
هذا التحول له أثر جيوسياسي عميق، إذ أصبحت الدول المستوردة للطاقة مجبرة على تقديم تنازلات سياسية مقابل تأمين عقود طويلة الأجل. ويمكن ملاحظة ذلك في التحول الأوروبي نحو الغاز المسال الأمريكي والقطري بعد عام 2022، وهو ما أعاد ربط القرار الأوروبي بالرؤية الأطلسية بشكل أعمق، وقلّص من هامش المناورة السياسية لبروكسل في ملفات دولية أخرى.
كيف تدير أوروبا هذه الضغوط في ظل ما وصفته بـ«معضلة السيادة»؟
الاتحاد الأوروبي يواجه ما يمكن تسميته بـ«المعضلة الثلاثية» أو(Trilemma)، التي تجمع بين الاستدامة، وأمن الإمدادات، والتكلفة الاقتصادية. وهي معادلة شديدة التعقيد.
فعلى الرغم من نجاح أوروبا في تقليل اعتمادها على الغاز الروسي بنسبة تتجاوز 90% مقارنة بعام 2021، حيث تراجع من 40% قبل 2022 إلى أقل من 10% حاليًا، إلا أن ذلك جاء بتكلفة اقتصادية مرتفعة. فقد ارتفعت فواتير الطاقة على المدى المتوسط بنسب تتراوح بين 50% إلى 100% في بعض القطاعات الصناعية، مثل البتروكيماويات والمعادن.
كما أن الاتحاد الأوروبي وقع في فخ التبعية للغاز المسال الأمريكي والقطري، بتكلفة أعلى بنحو 40%. ومع محاولات الموازنة بين ضغوط الحلفاء، خاصة الولايات المتحدة، والمنافسة مع الصين، إلى جانب احتياجاته الصناعية، خصوصًا في ألمانيا، أصبحت هذه المعادلة هشة للغاية، ما يهدد بتآكل تنافسية الصناعة الأوروبية.
إلى أي مدى أصبحت المضايق البحرية عنصر ضغط في الصراعات الدولية؟
المضايق المائية تحولت بالفعل إلى أوراق ضغط عسكرية وسياسية شديدة التأثير. ما شهدناه في مضيق باب المندب والبحر الأحمر مثال واضح على ذلك. إذ أن التوترات هناك أدت إلى تحويل مسار أكثر من 60% من ناقلات النفط والغاز المتجهة من الخليج إلى أوروبا، لتسلك طريق رأس الرجاء الصالح. هذا التحول أضاف ما بين 10 إلى 14 يومًا من الإبحار، ورفع تكاليف الشحن البحري بأكثر من 150% في فترات الذروة، فضلًا عن زيادة الانبعاثات الكربونية.
ارتفاع أسعار النفط.. هل يعكس ندرة حقيقية أم عوامل أخرى؟
تجاوز أسعار النفط حاجز 110 دولارات للبرميل لا يعكس ندرة في الاحتياطيات الجيولوجية، بل هو نتيجة مزيج من عاملين رئيسيين: محدودية القدرة الإنتاجية الفائضة، وعلاوة المخاطر الجيوسياسية.
التقديرات تشير إلى أن علاوة المخاطر وحدها تضيف ما بين 15 إلى 25 دولارًا على السعر العادل للبرميل، نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات في الشرق الأوسط. أما الطاقة الفائضة عالميًا، فهي تتركز لدى دولتين أو ثلاث فقط داخل «أوبك+»، ولا تتجاوز 3 ملايين برميل يوميًا، وهو هامش ضيق للغاية لا يتحمل أي صدمة كبيرة.
كيف تنعكس هذه التطورات على الاقتصادات العربية؟
التأثير يختلف بشكل واضح بين الدول المصدرة والمستوردة للطاقة.فالدول المصدرة، خاصة في الخليج، حققت فوائض مالية مكّنتها من دعم مواطنيها والحد من التضخم، إلى جانب تسريع مشاريع التنويع الاقتصادي.
أما الدول المستوردة، مثل مصر والأردن وتونس ولبنان، فقد واجهت تضخمًا مستوردًا وضغوطًا شديدة على العملات المحلية والموازنات العامة. فكل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر البرميل ترفع معدلات التضخم بنحو 0.5 إلى 0.8%.
كما أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس مباشرة على تكلفة النقل، ومن ثم أسعار السلع الغذائية الأساسية، ما يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطن بنسبة تتراوح بين 20% إلى 40% في الدول الأكثر تأثرًا.
هل نحن أمام عصر ذهبي جديد للوقود الأحفوري أم تسارع للتحول الأخضر؟
نحن أمام حالة ازدواجية واضحة في مشهد الاستثمار. من ناحية، أعادت الأزمة الاعتبار للوقود الأحفوري، خاصة الغاز الطبيعي، باعتباره الضامن الأساسي للأمن الطاقوي في الأجل القصير، وهو ما يمنحه ما يمكن وصفه بـ«عصر ذهبي مؤقت».
ومن ناحية أخرى، دفعت هذه الأزمة الدول المستوردة إلى تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، باعتبارها الحل الوحيد للتخلص من الابتزاز الجيوسياسي المرتبط بأسعار الوقود، من خلال الاعتماد على مصادر محلية مثل الشمس والرياح.
كيف تدير القوى النفطية العربية هذه المرحلة؟
القوى النفطية العربية، خاصة في الخليج، نجحت في تبني استراتيجية قائمة على «الحياد الإيجابي والبراغماتية الاقتصادية».
فهي لم ترضخ لضغوط الغرب لزيادة الإنتاج بشكل قد يضر باستقرار السوق، وفي الوقت نفسه حافظت على تماسك تحالف «أوبك+». كما نجحت في تقديم نفسها كـ«بنوك مركزية للطاقة»، تضمن استقرار الاقتصاد العالمي، مع الحفاظ على مصالحها الوطنية وتمويل خططها المستقبلية، مثل رؤية السعودية 2030.
في ظل الضبابية، كيف يمكن التمييز بين الحقائق والبروباجندا في أسواق الطاقة؟
في أوقات الأزمات، تصبح أسواق النفط شديدة الحساسية للشائعات. لذلك، يجب الاعتماد على مصادر موثوقة مثل وكالة الطاقة الدولية، ومنظمة أوبك، ومبادرة البيانات المشتركة.
كما يجب فهم الفارق بين التصريحات السياسية والقدرة الإنتاجية الفعلية على الأرض، وتجنب الانسياق وراء العناوين المثيرة التي قد تضلل الأسواق والجمهور.
ما تقييمكم لدور مصر كمركز إقليمي للطاقة؟
مصر نجحت بوضوح في تحويل موقعها الجغرافي إلى أداة دبلوماسية فعالة في مجال الطاقة. الحضور الدولي الكثيف في مؤتمر «إيجبس 2026» يعكس هذا النجاح.
وتمتلك مصر ميزة تنافسية فريدة في شرق المتوسط، تتمثل في محطتي إسالة الغاز في إدكو ودمياط، اللتين تتيحان تحويل الغاز المكتشف إلى غاز مسال وتصديره إلى أوروبا. كما أن جدوى العوائد في قطاع الغاز المصري، وسهولة الوصول إلى الأسواق الأوروبية، تدفع الشركات العالمية إلى مواصلة ضخ الاستثمارات رغم المخاطر الجيوسياسية.
ماذا عن جهود خفض المديونيات في قطاع البترول المصري؟
نجاح وزارة البترول في خفض مستحقات الشركاء الأجانب يمثل رسالة طمأنة قوية للغاية للمستثمرين في 2026. كما يُقال في الاقتصاد «رأس المال جبان بطبعه»، وعندما يرى المستثمر التزام الدولة بسداد مستحقاته حتى في أصعب الظروف، فإن ذلك يعزز الثقة ويرفع من جاذبية السوق، ويشجع على ضخ استثمارات جديدة، خاصة في أنشطة الاستكشاف بالمياه العميقة في البحر المتوسط.
ما السيناريو الأخطر المرتبط بإيران وتأثيره على الطاقة والغذاء؟
السيناريو الأسوأ يتمثل في إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره يوميًا نحو 20 إلى 21% من استهلاك النفط العالمي، أي ما يقارب 20 مليون برميل يوميًا.
في هذه الحالة، يمكن للمخزونات الاستراتيجية العالمية أن تمتص الصدمة لمدة تتراوح بين 3 إلى 6 أشهر فقط، وبعدها قد تقفز أسعار النفط إلى 150 دولارًا للبرميل، ما قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو انكماش حاد.
الأخطر أن الأزمة لا تتوقف عند الطاقة، بل تمتد إلى الغذاء. فالغاز الطبيعي يمثل ما بين 70% إلى 80% من تكلفة إنتاج الأسمدة النيتروجينية. أي ارتفاع في أسعاره يؤدي إلى توقف مصانع الأسمدة، كما حدث في أوروبا، وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، وانخفاض الإنتاجية، وهو ما يهدد بحدوث ما يمكن وصفه بـ«مجاعة اقتصادية» في الدول النامية.
ما سبل النجاة للدول المستوردة للطاقة في هذا السيناريو؟
هناك ثلاثة مسارات إجبارية لا بد من اتباعها، أولًا، تنويع مصادر استيراد الحبوب، مع تعزيز الإنتاج المحلي قدر الإمكان. ثانيًا، دعم صناعة الأسمدة المحلية، وتوفير الغاز لها كأولوية استراتيجية. ثالثًا، بناء شراكات طويلة الأجل مع الدول المنتجة للنفط والغاز، لتأمين عقود تفضيلية تضمن استقرار سلاسل الإمداد.
ويجب التأكيد أن العالم لم يعد يتحرك وفق قواعد السوق وحدها، بل وفق توازنات دقيقة بين السياسة والطاقة والاقتصاد، حيث قد يكون قرارٌ في مضيق بحري كفيلًا بإعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي بأكملها.











