حوار– عمر حاتم، مريم أشرف، رزان دهمش
عاشور: المؤسسات الدولية عاجزة عن ضبط التصعيد عالميًا.. و«الناتو» لنيتحرك إلا في حالة تهديد السيادة الأمريكية
لم تعد الحروب تُقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات، بل بتشابكات المصالح الاقتصادية وتعقيدات النفوذ السياسي، يبدو العالم وكأنه يتحرك على خيطٍ دقيق بين التصعيد والانفجار. التوترات الممتدة من شرق آسيا إلى أوروبا الشرقية، مرورًا بالشرق الأوسط، لا تُقرأ كأحداث منفصلة، بل كأجزاء من لوحة واحدة تعكس إعادة تشكيل النظام العالمي.
وأصبح الحديث عن حرب عالمية ثالثة يتجاوز كونه سيناريو نظريًا يُطرح في مراكز الأبحاث، ليتحول إلى سؤال حاضر في النقاش العام، تُغذيه صراعات مفتوحة وتحالفات متغيرة، وتوازنات دقيقة بين قوى كبرى تسعى لإعادة تعريف نفوذها. ومع ذلك، فإن هذا القلق العالمي يقابله إدراك عميق بأن كلفة الحرب الشاملة باتت غير محتملة في عالم مترابط اقتصاديًا بهذا الشكل.
في قلب هذا المشهد، تتقاطع استراتيجيات الولايات المتحدة وروسيا والصين، ليس فقط كقوى متنافسة، بل كأطراف تدرك حدود الاشتباك المباشر. فالصراع لم يعد بالضرورة مواجهة عسكرية صريحة، بل أصبح مزيجًا من الضغوط غير المباشرة، والحروب بالوكالة، وإعادة توزيع مناطق النفوذ.
وسط هذه التحولات، يبرز سؤال جوهري: هل العالم على أعتاب مواجهة كبرى، أم أن توازن الردع والتفاهمات الضمنية بين القوى العظمى لا يزال قادرًا على احتواء الانفجار؟
في هذا الحوار، يقدّم المحلل السياسي رامي عاشور قراءة معمّقة لمستقبل الأمن الدولي، واحتمالات اندلاع حرب عالمية ثالثة، وحدود الصراع بين القوى الكبرى، وموقع مصر والدول العربية في هذه المعادلة المعقدة.
هل تعتقد أن الأزمة الحالية بين تايوان والصين قد تُشعل حربًا عالمية ثالثة، أم أنها ستظل مواجهة محدودة بالمنطقة؟
لا أرى أن هذا السيناريو مرجح، فهناك فروق كبيرة بين الطرفين من حيث القوة العسكرية والحجم والمساحة، تميل بشكل واضح لصالح الصين. كما أن طبيعة العلاقة بين الجانبين، باعتبار تايوان امتدادًا لغويًا وثقافيًا للصين، تجعلها في نظر بكين جزءًا أصيلًا من أراضيها، وبالتالي فإن فكرة اندلاع حرب عالمية بسبب هذه الأزمة تبدو بعيدة.
كيف ترى حسابات القوة الأمريكية في آسيا، وهل واشنطن مستعدة لتحمل تداعيات تدخل عسكري مباشر؟
الحسابات في آسيا تختلف عن الشرق الأوسط، لأن هناك قوة ردع حقيقية في المنطقة. وجود روسيا كقوة كبرى في آسيا، وفي حال وقوفها إلى جانب إيران بالدعم الحربي، قد يؤدي إلى استنزاف الولايات المتحدة. وبالتالي، فإن واشنطن لن تتحمل تكلفة تدخل عسكري مباشر في ظل وجود الصين وروسيا كقوتين عظميين.
إذا اندلعت مواجهة مسلحة بين الصين وتايوان، كيف يمكن أن تتفاعل الدول الكبرى الأخرى، خصوصًا روسيا وأوروبا؟
في تقديري، هذا السيناريو مستبعد، إذ أن روسيا والدول الأوروبية لديهما مواقف واضحة تجاه قضايا الانفصال، حيث لا يدعم الأوروبيون عادة مثل هذه الدوافع، كما ظهر في موقفهم من إقليم كتالونيا في إسبانيا عندما رفضوا دعوات الانفصال لأنها تُضعف الدولة. لذلك، فإن فكرة التصادم الواسع تبدو مستبعدة، خاصة أن الصين تعتبر تايوان جزءًا من أراضيها.
في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة على مستوى عالم، هل يمكن اعتبار روسيا والصين عوامل تقويض للاستقرار العالمي؟
إلى حد ما نعم، لكن الصورة ليست أحادية. فروسيا والصين تسعيان إلى تحقيق توازن في مواجهة الولايات المتحدة، وهذا التوازن قد يخلق قدرًا من الاستقرار عبر منع الانفجار الكبير، حتى وإن بدا ظاهريًا أنه يزيد من حدة التوترات.
هل التحالفات الإقليمية والدولية الحالية تعيد تشكيل خريطة النفوذ العالمي؟
بالتأكيد، فالولايات المتحدة لا تزال القوة المهيمنة عالميًا، لكن خريطة النفوذ أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على التفاهمات بين القوى الكبرى. هذه التفاهمات تسهم في إعادة توزيع مناطق النفوذ، كما نرى في أمريكا اللاتينية، حيث تراجع نسبي للنفوذ الصيني والروسي مقابل تعزيز الحضور الأمريكي.
هل هناك خطوط حمراء قد تدفع القوى الكبرى إلى صراع مباشر؟
من الصعب أن تتصادم القوى الكبرى بشكل مباشر، لكن استمرار الصراعات المفتوحة أو الحروب طويلة الأمد، مثل الحرب في أوكرانيا أو التوترات مع إيران، قد يؤدي إلى تصعيد غير مباشر. وقد يحدث ذلك نتيجة دعم قوى كبرى لحلفائها، وليس بسبب قوة الأطراف الإقليمية نفسها. ومع ذلك، فإن التداعيات الاقتصادية ستكون كارثية، خاصة على منطقة الشرق الأوسط والخليج، وخصوصًا في ما يتعلق بأسواق الطاقة.
ما السيناريوهات الأكثر واقعية لاندلاع حرب عالمية ثالثة؟ وهل هي حتمية؟
هذا السيناريو لا يبدو واقعيًا بشكل كامل حاليًا، لكن من الممكن أن نشهد حروبًا إقليمية، خاصة في ظل ما يحدث في إيران. ومع ذلك، يمكن تجنب هذا التصعيد في ظل الضغوط التي يتعرض لها النظام الإيراني، إلى جانب التحديات المرتبطة بالبنية التحتية في المنطقة.
ما دور المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة والناتو في ضبط التصعيد؟
لا يبدو أن هذه المؤسسات قادرة على لعب دور مؤثر حقيقي في الوقت الحالي، فهي غالبًا تكتفي بإعلان المواقف. فحلف الناتو لا يمكنه التدخل إلا في حال وقوع اعتداء مباشر على الولايات المتحدة، وهو ما قد يُعد تهديدًا للأمن والسيادة الأمريكية ويدفع الحلف إلى تدخل سريع. في المقابل، تميل الصين إلى التهدئة بسبب مصالحها الاقتصادية المرتبطة بالطاقة، بينما قد تستفيد روسيا اقتصاديًا من الأزمات عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما يسمح لها بتعويض جزء من خسائرها، خاصة في ظل الحرب في أوكرانيا.
الدول العربية تميل لـ ‘رد الفعل‘ بسبب التحديات الاقتصادية
كيف يمكن للدول العربية، ومصر تحديدًا، التعامل مع هذه التحولات؟
في الوقت الحالي، لا تمتلك الدول العربية ومن بينها مصر قدرة كبيرة على التأثير في موازين القوى الدولية، ويرجع ذلك إلى التحديات الاقتصادية. فتكلفة الدخول في حرب بهدف فرض السلام مرتفعة للغاية، لذلك تميل الدول العربية إلى موقف رد الفعل أكثر من الفعل. ويظهر ذلك أيضًا في اعتماد بعض دول الخليج على الولايات المتحدة في مواجهة التهديدات الإيرانية. كما أن دخول الناتو في أي صراع قد يحول البحر المتوسط إلى ساحة حرب، وقد تمتد تداعياته إلى مناطق قريبة من قناة السويس، وهو سيناريو شديد الخطورة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
كيف ترى تأثير سياسات الولايات المتحدة والصين وروسيا على مستقبل الأمن الدولي خلال العقد القادم؟
في الغالب، لا تصل استراتيجيات القوى الكبرى إلى حد التصادم المباشر. فهناك توجهات، مثل تلك التي قادها دونالد ترامب، تركز على تعزيز النفوذ الأمريكي في النصف الغربي من العالم، وهو ما قد يتقاطع مع طموحات الصين وروسيا لتعزيز نفوذهما في النصف الشرقي. لكن أي تصعيد كبير في الشرق الأوسط قد يضر بالصين بسبب اعتمادها على الطاقة، في حين قد تستفيد روسيا اقتصاديًا وعسكريًا من هذه الأزمات، سواء عبر ارتفاع أسعار الطاقة أو زيادة صفقات السلاح. كما أن انشغال الولايات المتحدة بصراعات في الشرق الأوسط قد يمنح موسكو فرصة لتعزيز نفوذها في مناطق أخرى.











