تحقيق: رزان دهمش– مريم اشرف– عمر حاتم– حبيبه احمد–وروضي طارق
لم يكن هذا اليوم مجرد محطة عابرة في سجل التوترات المتراكمة بالشرق الأوسط، بل بدا وكأنه اللحظة الفارقة التيأعلن فيها “النظام الدولي” القديم وفاته سريرياً فوق منصة مجلس الأمن، فبينما كان مضيق هرمز يختنق تحت وطأة حصار متبادل، وفشل القوى الكبرى في تمرير قرار مخفف لحماية الملاحة العالمية، كانت الصواريخ والمسيّرات قد رسمت بالفعل جغرافيا جديدة للصراع، تتجاوز حدود “حروب الظل” التقليدية التي استمرت لعقود.
نحن اليوم أمام مشهد لم تعد فيه قواعد الاشتباك سوى ذكرى من الماضي فمنذ الثامن والعشرين من فبراير 2026، تاريخ الانتقال النوعي من الضربات المحدودة إلى الحملة الأمريكية-الإسرائيلية المباشرة في العمق الإيراني، دخلت المنطقة في نفق “الحرب الهجينة المفتوحة”. إنها حرب لا تكتفي باستهداف المنصات العسكرية، بل تضرب الأعصاب الحيوية للنظام الإقليمي من موانئ البترول في الخليج، إلى محطات الكهرباء والجسور، وصولاً إلى الأمن السيبراني الذي بات يشلّ مفاصل الدول.
تكمن خطورة اللحظة الراهنة في أن “الردع” لم يعد أداة لمنع نشوب الحرب، بل تحول إلى أداة لرفع كلفتها وإدارتها بالنار فإيران، التي انتقلت من “الصبر الاستراتيجي” إلى “الردع بالعقاب”، باتت تستخدم مضيق هرمز ورقة ضغط وجودية، ليس فقط ضد خصومها المباشرين، بل ضد الاقتصاد العالمي بأسره، محولةً الممر المائي الذي يعبره خُمس نفط العالم إلى “سلاح انتحاري” يهدف إلى انتزاع اعتراف دولي بمكانتها الإقليمية.
وعلى الجبهة المقابلة، لم تعد إسرائيل ترى في سياسة “الحروب بين الحروب” كابحاً كافياً لطموحات طهران فمع الضبابية الكثيفة التي تحيط بالملف النووي الإيراني وفقدان الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ “استمرارية المعرفة” بمخزونات اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، تزايدت النزعة الاستباقية في العقيدة العسكرية الإسرائيلية. لم يعد الهدف “تأجيل” المواجهة، بل “تفكيك” القدرات الأساسية للخصم قبل أن تتحول من “قدرة كامنة” إلى “واقع نووي“.
بين هذه المطرقة وسندان “فخ الاستدراج” الذي حذر منه المراقبون، تُعاد صياغة خرائط المنطقة فما يحدث في لبنان وسوريا ليس مجرد صراعات حدودية، بل هو محاولة لإعادة هندسة الإقليم وتفكيكه إلى كيانات صغيرة هشة، تبرز وسطها إسرائيل كـ “شرطي وحيد” مدعوم بتكنولوجيا أمريكية فائقة.
في هذا التقرير، نغوص في أعماق هذا التحول الزلزالي، مستشرفين آفاق الصراع بين توازن استراتيجي هش وتفوق عملياتي قلق، في لحظة تاريخية فارقة يبدو فيها “الانفجار الكبير” قد حدث بالفعل، وما نعيشه الآن ليس سوى ارتداداته المتلاحقة.
من الردع إلى الفوضى المنظمة
وفي خضم هذا التصعيد، يقول محمد وازن خبير الشؤون الإسرائيلية والدراسات السياسية والاستراتيجية إن المنطقة دخلت مرحلة الحرب الهجينة المفتوحة التي لم تعد فيها الجغرافيا السياسية ثابتة، بل متحركة وفق منطق الاستهداف المتبادل للبنى التحتية، ويضيف أن التحول الأخطر يتمثل في أن الضربات لم تعد عسكرية فقط، بل اقتصادية بامتياز، تستهدف الموانئ والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، بما يجعل أي اشتباك محلي قابلاً للتحول إلى أزمة دولية واسعة.
ويتابع وازن أن مفهوم الردع نفسه تغيّر جذرياً، موضحاً أن “الردع لم يعد يمنع الحرب، بل أصبح وسيلة لإدارتها،فإيران، بحسب وصفه، تستخدم “الردع بالعقاب” عبر توسيع نطاق التأثير ليشمل الممرات البحرية والأسواق العالمية، بينما تعتمد إسرائيل على “الردع الوقائي” عبر ضربات استباقية تستهدف مراكز الثقل داخل العمق الإيراني.
وأشار وازن إلى أن هذا التوازن الهش خلق واقعاً جديداً، لم تعد فيه الحرب قراراً منفرداً، بل عملية مستمرة تُدار تحت سقف تصعيد محسوب، حيث يسعى كل طرف إلى رفع كلفة الحرب على الآخر دون الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل.
اتساع مسارح الحرب
وفي ما يتعلق بالمجال الإقليمي، يؤكد وازن أن امتداد العمليات إلى لبنان والعراق واليمن يعكس انتقال الصراع من ساحات منفصلة إلى مسرح واحد مفتوح، تتحرك فيه الأذرع والردود بشكل متزامن، ما يجعل إدارة الأزمة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
ويضيف أن الجبهة اللبنانية باتت الأكثر هشاشة، في ظل تصاعد الضغوط العسكرية على حزب الله، وتحول الجنوب اللبناني إلى منطقة استنزاف مفتوحة، قد تكون الشرارة الأولى لأي توسع إقليمي أكبر.
وفي سياق موازٍ، يقول وازن إن الغموض المحيط بالبرنامج النووي الإيراني يمثل أحد أخطر عناصر التصعيد، إذ إن تراجع قدرة التفتيش الدولي يدفع إسرائيل إلى الاعتماد على تقديراتها الخاصة، ما يرفع احتمالات الضربات الوقائية ويقلل مساحة التهدئة الدبلوماسية.
ومن زاوية أخرى، يوضح أن الحرب السيبرانية والاغتيالات لم تعد أدوات مساندة، بل أصبحت جزءاً أصيلاً من بنية الصراع، حيث تستهدف الأولى تعطيل الاقتصادات الرقمية، بينما تستهدف الثانية تفكيك مراكز القرار والقيادة.
إعادة تشكيل المنطقة تحت النار
وفي المقابل، قال أسامة السعيد الكاتب والباحث في الشؤون الدوليةإن ما يجري لا يمكن فهمه باعتباره تحولاً طبيعياً في العقيدة الإيرانية، بل هو “إجبار استراتيجي” فرضته إسرائيل بدعم أمريكي، مشيراً إلى أن طهران لم تختر المواجهة المفتوحة، بل دفعت إليها دفعاً بعد تغيير قواعد الاشتباك.
وأضاف السعيد أن هذا التحول ارتبط أيضاً بديناميكيات السياسة الأمريكية، لافتاً إلى أن عودة دونالد ترامب إلى المشهد ساهمت في تسريع وتيرة التصعيد، سواء عبر دعم مباشر للنهج الإسرائيلي أو عبر تبني سياسة أكثر انخراطاً في إدارة الصراع.
ويؤكد أن خطورة المرحلة الحالية لا تكمن فقط في البعد العسكري، بل في مشروع إعادة تشكيل المنطقة نفسها، عبر تفكيك الدول إلى كيانات أصغر قائمة على الانقسام الداخلي، بما يتيح لإسرائيل لعب دور “القوة المركزية” المهيمنة تكنولوجياً وعسكرياً.
الممرات البحرية كساحات حرب مفتوحة
ويضيف أن التوترات في مضيق هرمز والبحر الأحمر ليست أحداثاً منفصلة، بل أدوات ضمن هذا المشروع الأوسع لإعادة توزيع النفوذ، محذراً من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى “فخ استدراج” نحو حرب إقليمية شاملة.
وفي سياق الدور الإقليمي، يشير السعيد إلى أن مصر تلعب دوراً محورياً في محاولة ضبط الإيقاع الإقليمي، انطلاقاً من إدراكها أن أمن الخليج والبحر الأحمر جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن أي انفجار واسع سيطال الجميع دون استثناء.
ويضيف أن القاهرة تتحرك عبر أدوات دبلوماسية واتصالات متعددة المسارات، تجمع بين الحفاظ على قنوات مع إيران من جهة، ودعم الاستقرار الخليجي من جهة أخرى، بما يعكس سياسة توازن دقيقة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
كما يشير إلى أن التصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع الاهتمام الدولي بالملف الفلسطيني، خاصة ما يجري في قطاع غزة، ما يمنح إسرائيل مساحة أوسع لفرض وقائع ميدانية جديدة، في ظل انشغال العالم بأزمة أوسع نطاقاً.
وتابع” إن المنطقة لم تعد تعمل وفق “قواعد اشتباك” مستقرة كما كان في السابق، بل دخلت مرحلة يمكن وصفها بـ”اللايقين الاستراتيجي”، حيث تتغير المعادلات مع كل موجة تصعيد دون خطوط حمراء واضحة أو ضمانات للردع التقليدى”.
ويضيف السعيد أن خطورة المرحلة تكمن في أن الفعل العسكري لم يعد منفصلاً عن الأبعاد السياسية والإعلامية والاقتصادية، بل أصبح جزءاً من منظومة واحدة متشابكة، ما يجعل أي حادث محدود قابلاً للتحول إلى أزمة إقليمية واسعة في وقت قصير.
في السياق ذاته، يشير محمد وازن خبير الشؤون الإسرائيلية والدراسات الاستراتيجية إلى أن ما يجري يعكس تآكلاً تدريجياً في مفهوم “قواعد الاشتباك غير المعلنة”، موضحاً أن الأطراف باتت تتحرك بمنطق اختبار الإرادات وليس إدارة التوازنات.
الاقتصاد كساحة مواجهة موازية
ويرى محمد وازن أن التحول الأخطر في طبيعة الصراع يتمثل في انتقاله من البعد العسكري التقليدي إلى البعد الاقتصادي، مؤكداً أن “الاقتصاد أصبح ساحة حرب موازية لا تقل أهمية عن الميدان العسكري”.
ويضيف وازن أن استهداف الموانئ وسلاسل الإمداد والطاقة لم يعد مجرد أداة ضغط، بل أصبح جزءاً من استراتيجية متكاملة لإعادة توزيع النفوذ في الإقليم، بما يجعل الاقتصاد العالمي نفسه رهينة للتصعيد.
ويؤكد أسامة السعيد في السياق ذاته أن التوترات في الممرات البحرية، مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر، لم تعد أحداثاً منفصلة، بل أدوات في “حرب نفوذ أوسع” تستهدف التحكم في شرايين التجارة العالمية وإعادة صياغة موازين القوة.
الحرب السيبرانية كجبهة غير مرئية
ويشدد محمد وازن على أن الحرب السيبرانية لم تعد مجرد أداة مساندة، بل تحولت إلى “جبهة قتالية قائمة بذاتها”، تستهدف تعطيل الاقتصادات وإرباك منظومات الدولة من الداخل.
ويضيف أن خطورة هذا النوع من الحروب تكمن في طبيعته غير المرئية، إذ يصعب تحديد مصدر الهجوم أو توقيت الرد، ما يخلق حالة دائمة من الاستنزاف الأمني والاقتصادي.
ومن جانبه، يشير أسامة السعيد إلى أن تزايد الاعتماد على الفضاء السيبراني في الصراع الإقليمي يعكس تحولاً أعمق في بنية الحرب الحديثة، حيث لم تعد الجغرافيا هي المحدد الأساسي للصراع، بل الشبكات والبنى الرقمية العابرة للحدود.
تفكك التحالفات وإعادة اصطفاف القوى
وفي قراءته للمشهد الإقليمي، يقول أسامة السعيد إن المنطقة تشهد حالة “إعادة تشكيل ناعمة للتحالفات”، حيث لم تعد العلاقات الإقليمية ثابتة أو مؤسسية، بل أصبحت مرنة وخاضعة لحسابات متغيرة تتعلق بإدارة المخاطر.
ويضيف أن هذا التحول يعكس سيولة سياسية غير مسبوقة، دفعت الدول إلى إعادة تموضعها وفق التهديدات اللحظية أكثر من الالتزامات الاستراتيجية طويلة الأمد.
أما محمد وازن فيرى أن هذا التغير في الاصطفافات يعكس واقعاً جديداً في الشرق الأوسط، حيث لم تعد هناك محاور صلبة، بل شبكات مصالح متداخلة تتغير بسرعة وفق تطورات الميدان.
تراجع الوساطة الدولية وتآكل دور المؤسسات
ويؤكد أسامة السعيد أن مؤسسات النظام الدولي التقليدي لم تعد قادرة على مواكبة سرعة التحولات في الإقليم، مشيراً إلى أن الانقسام الدولي أضعف فاعلية مجلس الأمن والآليات متعددة الأطراف في إدارة الأزمات.
ويضيف أن هذا التراجع خلق فراغاً سياسياً واسعاً، سمح بتوسع دور القوى الإقليمية في فرض الوقائع على الأرض دون إطار دولي ضابط.
ومن جانبه، يشير محمد وازن إلى أن غياب آليات ردع دولية فعالة جعل الصراع أكثر قابلية للتصعيد، لأن الأطراف باتت تتحرك في مساحة شبه مفتوحة دون كلفة سياسية رادعة حقيقية.
الإقليم بين التفكك وإعادة التشكيل
وفي ختام قراءتهما للمشهد، اتفق أسامة السعيد ومحمد وازن على أن الشرق الأوسط يقف اليوم عند نقطة تحول تاريخية، بين مسارين متوازيين: تفكك تدريجي للبنى التقليدية للدول، أو إعادة تشكيل قسرية لخرائط النفوذ تحت ضغط القوة.
ويحذر أسامة السعيد من أن استمرار إدارة الصراع بمنطق “الاستنزاف المفتوح” قد يقود إلى فوضى إقليمية ممتدة، يصعب احتواؤها لاحقاً.
فيما يرى محمد وازن أن المنطقة دخلت فعلياً مرحلة “إعادة تعريف الدولة والردع”، حيث لم تعد الحدود السياسية أو العسكرية كافية لفهم طبيعة الصراع، بل أصبحت البنية التحتية والاقتصاد والفضاء السيبراني هي ساحات الحسم الفعلية.
ويخلص الاثنان إلى أن الشرق الأوسط يعيش حالة تعليق استراتيجي، لا حرب تنتهي فيه ولا سلام يستقر، بل واقع مفتوح على احتمالات متشابكة تتغير مع كل تطور ميداني جديد.











