بقلم: علي الإدريسي – الخبير الاقتصادي
إن أي تصعيد عسكري قد تقوده إيران في منطقة الخليج، وبالتحديد في حالة إغلاق مضيق هرمز، يمثل صدمة اقتصادية عالمية تظهر آثارها بشكل مباشر وغير مباشر على الاقتصاد المصري. فالمضيق يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، وأي تعطّل لحركته يعني قفزة حادة في أسعار الطاقة، وعودة موجات التضخم المستورد، وارتفاع درجة عدم اليقين في الأسواق الدولية.
والسيناريو الأخطر يتمثل في قفز أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 110 أو 120 دولارًا للبرميل. في هذه الحالة سترتفع فاتورة الواردات البترولية لمصر، مما يضغط على ميزان المدفوعات والاحتياطي النقدي، ويزيد الحاجة إلى تدبير عملة أجنبية إضافية. ومع كون الطاقة عنصرًا أساسيًا في تكلفة النقل والإنتاج، فإن الزيادة ستنتقل تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات، خاصة الغذاء والمنتجات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وعلى مستوى التضخم، ستظهر موجة تضخمية جديدة مصدرها ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والنقل عالميًا، إلى جانب زيادة أسعار القمح والزيوت والحبوب إذا تأثرت سلاسل الإمداد أو ارتفعت أسعار الوقود المستخدم في الزراعة والنقل. وهذا يعني أن معدل التضخم في مصر قد يشهد انحرافًا صعوديًا ملحوظًا مقارنة بالمسار المستهدف، خصوصًا إذا طال أمد الحرب. والتضخم هنا لن يكون ناتجًا عن طلب محلي قوي، بل عن صدمة عرض خارجية، مما يجعل السيطرة عليه أكثر تعقيدًا.
أما النمو الاقتصادي، فمن المرجح أن يتباطأ تحت ضغط عاملين؛ أولهما تراجع القوة الشرائية للأسر نتيجة ارتفاع الأسعار، وثانيهما ارتفاع تكلفة التمويل إذا اضطرت السياسة النقدية إلى التشدد لكبح التضخم. كما أن حالة عدم اليقين الجيوسياسي قد تؤجل قرارات استثمارية جديدة، سواء محلية أو أجنبية، في قطاعات الصناعة والعقارات والسياحة. وقطاع المعادن محليًا لن يكون بمنأى عن التأثير؛ فصناعات الحديد والأسمنت والألومنيوم تعتمد على الطاقة بشكل مكثف، وأي ارتفاع في أسعار الغاز أو الكهرباء سينعكس على تكلفة الإنتاج، وبالتالي على أسعار مواد البناء. كما أن أسعار المعادن عالميًا تميل إلى الارتفاع في أوقات الأزمات، سواء بسبب ارتفاع تكلفة الاستخراج أو باعتبار بعضها ملاذًا تحوطيًا.
وفيما يتعلق بالتجارة العالمية، فإن أي اضطراب واسع في الخليج قد يؤثر على حركة الملاحة وسلاسل الإمداد، مما ينعكس بدوره على تدفقات التجارة عبر قناة السويس. فإذا تباطأت التجارة الدولية نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، قد تتأثر إيرادات القناة، وهو ما يضيف ضغطًا إضافيًا على موارد النقد الأجنبي.
ولا يمكن إغفال التأثير المحتمل على حركة التجارة العالمية؛ فالتوترات العسكرية في الخليج قد تؤدي إلى اضطرابات في طرق التجارة الدولية، خاصة إذا امتدت المخاطر إلى الممرات البحرية القريبة من المنطقة. هذه التطورات قد تؤدي إلى تباطؤ حركة التجارة العالمية، وهو ما قد ينعكس بدوره على حركة السفن المارة عبر قناة السويس.
وتُعد قناة السويس أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري، وبالتالي فإن أي تراجع في حركة التجارة العالمية قد يؤثر على إيرادات القناة. وصحيح أن القناة تظل طريقًا استراتيجيًا لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة، لكن حجم التجارة العالمية نفسه قد يتأثر سلبًا إذا ارتفعت تكاليف النقل والطاقة بشكل كبير. في المقابل، تملك مصر بعض الأدوات التي قد تساعدها على التعامل مع مثل هذه الصدمات الخارجية؛ فتنويع مصادر الطاقة، وزيادة الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، كلها عوامل يمكن أن تقلل من تأثير تقلبات أسعار النفط العالمية على الاقتصاد المحلي.
كما أن إدارة السياسة المالية والنقدية بحذر خلال فترات الأزمات يمكن أن تساعد على احتواء جزء من الضغوط التضخمية، مع العمل في الوقت نفسه على حماية الفئات الأكثر تأثرًا بارتفاع الأسعار.
وفي النهاية، تؤكد مثل هذه الأزمات حقيقة أساسية في الاقتصاد العالمي، وهي أن الاستقرار الاقتصادي لم يعد منفصلًا عن التطورات الجيوسياسية؛ فما يحدث في ممر مائي بعيد مثل مضيق هرمز قد يمتد تأثيره سريعًا إلى الأسواق المحلية في دول بعيدة جغرافيًا، ومنها مصر. لذلك تظل القدرة على التكيف مع الصدمات الخارجية، وبناء اقتصاد أكثر مرونة وتنوعًا، من أهم التحديات التي تواجه الدول في عالم تتزايد فيه درجة عدم اليقين.











