Home / تراث / من «قرار ملكي» لـ«هدية عربية» تقاوم النسيان كيف تحولت مكتبة الجمعية المصرية للتاريخ إلى ذاكرة حيّة لمصر؟

من «قرار ملكي» لـ«هدية عربية» تقاوم النسيان كيف تحولت مكتبة الجمعية المصرية للتاريخ إلى ذاكرة حيّة لمصر؟

حوار – دميانه ميلاد

في زمنٍ يتسارع فيه كل شيء، وتعلو فيه الأصوات السطحية حتى تكاد تُفرغ الشواهد العميقة من معناها، وتتآكل فيه الذاكرة الجمعية تحت ضغط اللحظة، تبقى بعض الأماكن عصيّة على الاستهلاك السريع، لا تخضع لإيقاع العناوين العابرة ولا تُساير ضجيجها. من بين هذه الأماكن الجمعية المصرية للتاريخ، حيث لا يبدو الزمن عنصرًا محايدًا، بل شاهدًا صامتًا حاضرًا في الجدران ورفوف مكتبتها، وفي الصمت الذي يعلو على كل صوت. هنا، لا تُقرأ الكتب على عجل، ولا تُستدعى الذاكرة بوصفها حنينًا، بل باعتبارها مسؤولية.

مكتبة الجمعية المصرية للتاريخ ليست مجرد فضاء للكتب، بل مساحة يلتقي فيها الوعي بالمعرفة ويتقاطع فيها التاريخ مع الهوية. تمتد على طابقين، وتضم مراجع نادرة ووثائق أصلية وكتبًا أسست لمدارس تاريخية، وشكّلت وعي أجيال من المؤرخين والباحثين في مصر والعالم العربي، وتطرح أسئلة كبرى حول من نكون، وكيف كُتب تاريخنا، ومن يملك حق روايته.

في هذا المكان الذي يبدو وكأنه خارج الزمن، يُطلب من زائره — قبل أن يفتح أي كتاب — أن يتجاوز توتر اللحظة ونزعة الاستهلاك السريع للمعرفة، ليدخل في حوار صامت مع التاريخ بوصفه مادة للفهم لا للتلقّي؛ فالماضي هنا لا يُعامل كأرشيف مغلق، بل ككائن حيّ يتنفس بين الصفحات.

وفي إطار سياسة مجلة «سكوب» التي تسعى إلى إضاءة المساحات التي لا تُرى، يأتي هذا الحوار داخل مكتبة الجمعية المصرية للتاريخ مع الأستاذ الدكتور أحمد الشربيني السيد، رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للتاريخ واتحاد المؤرخين العرب، والعميد السابق لكلية الآداب جامعة القاهرة – قسم التاريخ، الذي جمع بين الخبرة العلمية والرؤية المؤسسية، وكرّس مسيرته للدفاع عن قيمة التاريخ باعتباره أساس الوعي الوطني والإنساني.

في هذا الحوار، لا نفتح أبواب مكتبة فحسب، بل نزيح الستار عن ذاكرة ثقافية صمدت أمام التحولات السياسية والتغيرات الاجتماعية وضغوط الزمن، لتظل شاهدًا على أن التاريخ — حين يُصان بعقل نقدي وضمير علمي — يتحول من ماضٍ محفوظ إلى قوة فاعلة في الحاضر وبوصلة للمستقبل.

بدايةً، كيف تُعرِّف الجمعية المصرية للتاريخ ودورها الثقافي والإنساني؟

الجمعية المصرية للتاريخ هي مؤسسة علمية وثقافية تأسست على فكرة جوهرية وغاية واضحة، هي خدمة البحث التاريخي بوصفه ضرورة معرفية لا ترفًا فكريًا. دورها لا يقتصر على دعم الدراسات المتخصصة أو نشر المعرفة الأكاديمية، بل يتجاوز ذلك إلى بناء وعي تاريخي يُسهم في ترسيخ الهوية الوطنية والإنسانية.

ونحن نؤمن بأن التاريخ هو الإطار الذي تتشكل داخله رؤية المجتمع لنفسه ولمستقبله وليس ترف معرفي، ولذلك حرصت الجمعية منذ نشأتها على أن تكون كيانًا مفتوحًا يخدم الباحثين والطلاب والمثقفين، ويربط الأجيال الجديدة بجذورها الحضارية على أسس علمية رصينة.

 مرّت الجمعية بمحطات تاريخية وسياسية عديدة، كيف انعكس ذلك على مسيرتها؟

الجمعية عايشت تحولات سياسية وثقافية كبرى منذ تأسيسها بقرار ملكي، ثم تغيير اسمها بعد ثورة يوليو 1952، وصولًا إلى انتقالها بين أكثر من مقر عبر عقود متتالية. هذه التحولات لم تكن عوائق تُضعفها بقدر ما كانت خبرات متراكمة أضافت إلى الجمعية عمقًا ومرونة. كل مرحلة تاريخية أعادت طرح سؤال الدور والرسالة، وهو ما أسهم في صقل وعي الجمعية بذاتها، وتعزيز قدرتها على الاستمرار رغم التحديات الإدارية والمالية والسياسية.

مكتبة الجمعية تُعد أحد أهم أركانها… ماذا تمثل لكم؟

مكتبة الجمعية هي القلب النابض لهذا الكيان. فهي ليست مخزنًا للكتب، بل فضاء حي لإنتاج المعرفة التاريخية. تضم مراجع نادرة، ودوريات علمية، ورسائل جامعية، ووثائق تاريخية يعتمد عليها الباحثون في بناء دراساتهم الأكاديمية. من دون هذه المكتبة، تفقد الجمعية جوهرها وروحها، لأنها تمثل نقطة التقاء بين البحث العلمي والذاكرة التاريخية.

ما الذي يميز مكتبة الجمعية عن غيرها من المكتبات؟

ما يميز المكتبة هو التخصص الدقيق والندرة النوعية. نحن لا نسعى إلى منافسة المكتبات العامة من حيث الكم، بل نكمّلها من حيث القيمة. كثير من المصادر المتوافرة لدينا لا توجد في أماكن أخرى، وبعضها لم يعد يُطبع أو أصبح الوصول إليه شديد الصعوبة. كل كتاب هنا موجود لسبب علمي واضح، ويخدم مجالًا بحثيًا محددًا.

حدثنا عن قاعة الكتب النادرة داخل المكتبة

قاعة الكتب النادرة تُعد من أثمن ما تمتلكه الجمعية، حيث تضم طبعات أصلية، وكتبًا صدرت في فترات تاريخية مبكرة، إلى جانب وثائق ذات قيمة علمية وتاريخية عالية. وبالتالي فأن التعامل مع هذه القاعة يتم وفق ضوابط دقيقة، لأننا لا نتعامل مع مادة ورقية فحسب، بل مع تراث إنساني يمثل ذاكرة مكتوبة لا يجوز التفريط فيها.

من بين هذه الكنوز، يبرز كتاب «وصف مصر»… ما الذي يجعله بهذه الأهمية؟

كتاب «وصف مصر» يُعد من أخطر وأهم المراجع التاريخية المتعلقة بمصر. لذا فأن وجود النسخة الأصلية داخل المكتبة يحمل دلالة معرفية عميقة؛ فهو يذكّرنا بأن جزءًا كبيرًا من تاريخنا كُتب في سياقات خارجية وبأقلام غير مصرية. هذا الوجود لا يُقدَّم بوصفه مصدرًا للاستهلاك، بل كإنذار دائم يضع على عاتق المؤرخ المصري مسؤولية قراءة هذا التاريخ قراءة نقدية واعية، تستند إلى التحليل لا التسليم والاستهلاكية.

كيف تدعم الجمعية الباحثين الشباب وطلاب الدراسات العليا؟

نحن حريصون على فتح أبواب المكتبة أمام الباحثين الشباب، وتنظيم «السيمنارات» العلمية وحلقات النقاش المتخصصة، وتقديم دعم معرفي حقيقي لطلاب الدراسات العليا، لا سيما في مجالات مثل التاريخ العثماني. هذا الدور أسهم في تكوين جيل جديد من المؤرخين الجادين، القادرين على البحث المنهجي والتحليل النقدي.

في عصر التكنولوجيا، هل ما زال للكتاب الورقي مكان؟

في مجال التاريخ تحديدًا، لا يمكن الاستغناء عن الكتاب الورقي. الوثيقة والمخطوط والطبعة الأصلية تظل المرجع الأعلى، ولا يمكن أن تعوّضها شاشة أو نسخة رقمية. التكنولوجيا أداة مساعدة مهمة، لكنها لا تلغي العلاقة المباشرة بين الباحث والنص التاريخي.

ما الرسالة التي تسعى الجمعية إلى إيصالها اليوم؟

نؤمن بأن التاريخ ليس ماضيًا منتهيًا، بل أداة أساسية لفهم الحاضر وبناء المستقبل. المجتمع الذي يفتقد الوعي بتاريخه يفقد القدرة على حماية هويته، ويصبح عاجزًا عن فهم موقعه في العالم.

هل يمكن اعتبار مكتبة الجمعية شاهدًا على التحولات السياسية في مصر؟

بلا شك، فقد عايشت المكتبة عصورًا سياسية مختلفة، من الملكية إلى ما بعد ثورة يوليو وصولًا إلى الدولة الحديثة. تغيّر الاسم وتغيّرت المقرات، لكن الهدف ظل ثابتًا: حفظ التاريخ وتقديمه بوعي علمي مسؤول.

كيف هي علاقة الجمعية بالمؤسسات الثقافية الرسمية؟

يمكن الإشارة إليها كعلاقة تكاملية، إذ حظيت الجمعية حظيت بدعم مؤسسات الدولة، مثل وزارة الثقافة، ووزارة التعليم العالي، ودار الكتب المصرية، وهذا يعكس اعترافًا رسميًا بدورها العلمي والثقافي.

كيف حافظت المكتبة على مقتنياتها خلال فترات الأزمات؟

الركيزة الأساسية كانت دائمًا الوعي البشري بقيمة ما نمتلكه. قبل أي إمكانيات مادية، كان إدراك أهمية الوثيقة والكتاب هو خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات المالية أو الإدارية.

هل لعب العامل العربي دورًا في استمرار الجمعية؟

نعم، وكان دورًا حاسمًا، خاصة في لحظة امتلاك المقر الحالي. إذ لم تكن هبة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي دعمًا ماديًا فقط، بل رسالة واضحة بأن التاريخ العربي مسؤولية مشتركة.

ماذا تغيّر بعد امتلاك المقر الدائم؟

تغيّر كل شيء تقريبًا، فقد تحولت المكتبة من نشاط محدود إلى عمل يومي متواصل، وازدادت قدرتها على استقبال الباحثين وتنظيم الفعاليات وتوسيع مقتنياتها، من دون خوف من فقدان المكان.

كيف تؤثر البيئة الهادئة للمكتبة على الباحث؟

الهدوء هنا ليس عنصرًا شكليًا، بل جزء من المنهج البحثي. المكان يمنح الباحث عزلة إيجابية، وكأن الزمن يتباطأ ليمنحه مساحة أوسع للتأمل والتحليل.

هل المكتبة موجهة فقط للمتخصصين؟

رغم طابعها الأكاديمي، فإن المكتبة ترحب بكل من يمتلك شغف المعرفة، لكنها تظل مساحة تحترم البحث والوقت والكتاب، ولا تقبل التعامل السطحي مع المعرفة.

ما الرسالة غير المعلنة التي تحملها هذه المكتبة؟
أن الثقافة قد تمرض لكنها لا تموت، وأن المؤسسات التي تُبنى على فكرة حقيقية تستطيع النجاة مهما طال الزمن.

Tagged: