حوار- حبيبة أحمد، روضة طارق
في عالمٍ تتقاطع فيه تحديات التغيرات المناخية مع الضغوط المتزايدة على الموارد الطبيعية، يبرز اسم الدكتور عفيفي عباس عفيفي كأحد العلماء الذين ارتبطت مسيرتهم العلمية ارتباطًا وثيقًا بقضايا الأرض والمياه في مصر، فهو لا ينظر إلى التربة والمياه كمجرد عناصر طبيعية تخضع للدراسة والتحليل داخل المختبرات، بل يعتبرها جوهر معادلة البقاء والتنمية في مجتمع يعتمد تاريخيًا على الزراعة ويستمد حياته من شريانٍ واحد هو نهر النيل.
لم تكن مسيرة الدكتور عفيفي تقليدية منذ بدايتها؛ فاختياره التوجه إلى علوم الزراعة لم يكن قرارًا عابرًا، بل تعبيرًا عن شغف مبكر بالأرض وما تحمله من أسرار علمية وإنسانية، فعلى الرغم من التحاقه في البداية بدراسة الهندسة في جامعة عين شمس، فإنه سرعان ما اتجه إلى المجال الذي وجد فيه ذاته وهو دراسة التربة وإدارة الموارد المائية.
ومنذ ذلك الحين، كرّس سنوات طويلة من البحث والعمل لفهم التحديات التي تواجه الزراعة المصرية، خاصة في ظل محدودية الموارد المائية وتزايد الضغوط السكانية والتغيرات البيئية.
ومع اتساع خبراته العلمية، التي صقلتها تجارب بحثية داخل مصر وخارجها، أصبح الدكتور عفيفي من الأصوات العلمية التي تسعى إلى تقديم قراءة متوازنة لقضايا المياه، تجمع بين الانتماء الوطني والالتزام الصارم بالمنهج العلمي.
وفي هذا الحوار الخاص لمجلة Scope، يفتح الدكتور عفيفي أبواب النقاش حول عدد من القضايا الحيوية المرتبطة بإدارة الموارد المائية، وفي مقدمتها ملف سد النهضة، الذي يعد من أكثر الملفات حساسية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
كما تناول الحوار التحديات التي تواجه الزراعة المصرية في ظل تزايد ندرة المياه، والسبل التي يمكن من خلالها تحقيق قدر أكبر من الكفاءة في استخدام الموارد المتاحة.
لنكتشف كيف يمكن للعلم أن يتحول إلى قوة دافعة لحماية الموارد الطبيعية، وصياغة رؤية أكثر استدامة لمستقبل يعتمد على التوازن بين الإنسان والبيئة. وإلى نص الحوار…
ما هي طبيعة العلاقة التي تربط الإنسان المصري بالزراعة؟
الزراعة هي جوهر حضارتنا؛ فالإنسان المصري القديم أسس حضارته على الزراعة، وما زلنا حتى اليوم مرتبطين بها ارتباطاً وثيقاً ونعتز بهذا الإرث. هذه “ثقافة الزراعة” تربط بين عقيدتنا وبين إنتاجنا، ولذا، فإن فقدان الفلاح المصري لأرضه يشبه فقدانه لحضارته.
كيف تطورت التقنيات الزراعية عبر العصور؟ وما هي الفروق الجوهرية بين الأساليب التقليدية والحديثة في علوم الأراضي؟
لم تسبق التكنولوجيا الحديثة ذكاء الإنسان المصري، لكنها قدمت دعماً كبيراً. قديماً، اعتمدت الزراعة بشكل أساسي على “الري بالغمر”، وهو أسلوب يستهلك كميات ضخمة من المياه ويؤثر سلباً على خصوبة التربة بسبب زيادة الملوحة أو سوء الصرف، فضلاً عن ضعف التحكم في كميات المياه. أما اليوم، ومع تقدم علوم الأراضي، ظهرت تقنيات حديثة كالري بالرش والري المحوري (السنتر بيفوت)، وهي نقلة نوعية ساهمت في ترشيد استهلاك المياه، وتحسين إنتاجية المحاصيل، وتقليل إجهاد التربة. كما أصبحنا نعتمد على تحليل التربة، وتقنيات الاستشعار عن بُعد، والذكاء الاصطناعي لتحديد احتياجات الأرض بدقة، مما جعل الزراعة الحديثة أكثر كفاءة واستدامة.
يتردد كثيراً أن انهيار سد النهضة سيؤدي إلى غرق مصر والسودان؛ فهل هذا الكلام دقيق علمياً؟
ثمة أقاويل كثيرة حول هذا الشأن، لكن الحقيقة أن التأثر سيكون متبايناً. فانهيار السد قد يؤدي إلى غرق أجزاء من السودان، لكن مصر لا، وذلك لأن مقطع النهر يمر بكمية محددة، وأي زيادة تفيض على الجانبين.
في حال الانهيار، ستنحرف المياه شمالاً عند وادي حلفا، وستواجه سد مروي (وهو سد صغير جداً لا يتحمل التدفق المفاجئ)، مما سيؤدي إلى تصريف المياه في الجوانب لتصل إلى مفيض توشكى وبحيرة ناصر. عندها، سيمتلئ المفيض تلقائياً عند وصول المياه إلى منسوب 155 متراً فوق سطح البحر، مما يساهم في تغذية خزان المياه الجوفية (الحجر الرملي النوبي) في الصحراء الغربية. لذا، نحن كعلماء نرى أن “وجود السد” هو التحدي الحقيقي، وليس احتمالية انهياره.
من وجهة نظرك العلمية، ما هي الحلول المتاحة للحد من تأثيرات سد النهضة على مصر؟
لا ينبغي أن نكتفي بانتظار المشكلة، بل علينا التحرك بمجموعة من الحلول الاستباقية؛ مثل تحلية مياه البحر، والحصاد المائي من المرتفعات، وترشيد استهلاك المياه. لقد أجريت بحثاً يوصي بترشيد المياه في الدلتا والصعيد عبر التحول إلى “الري بالتنقيط”، باستثناء مناطق شمال الدلتا
كيف يمكن تحويل تحديات المياه إلى فرص تنموية؟
يمكننا استغلال مياه السيول في جنوب سيناء والبحر الأحمر عبر حصادها بدلاً من كونها خطراً يداهم المدن. كما يجب أن نعظم الاستفادة من الأراضي، فمصر بها نحو 84% من الصخور والكثبان الرملية؛ لذا يجب التوسع في العمران والزراعة في المناطق المرتفعة، كما يحدث في “منطقة الجلالة” حيث تُبنى القرى فوق الجبال لتستفيد من تدفق المياه في الوديان لزراعة المناطق المنخفضة.
وفي سياق اتخاذ القرار، يجب أن نعتمد على الفرضيات العلمية الدقيقة، وأن يعمل الباحثون جنباً إلى جنب مع متخذي القرار لضمان الوصول لأفضل الحلول، مثل المعالجة الثلاثية لمياه الصرف الزراعي والصحي لاستخدامها في الزراعة.
ما هي مخاطر سد النهضة على الزراعة المصرية، وهل ستنقص حصتنا من المياه؟
أي حاجز على مياه النيل هو مشكلة لمصر؛ لأن مياه النيل وفق القانون الدولي هي “مورد مشترك” وليس خاضعاً للتحكم الفردي.
دول أعالي النيل ليس من حقها حجز المياه عن دول المصب. حجز المياه سيؤدي إلى حرمان مصر من حصتها (55 مليار متر مكعب)، كما سيحرم التربة المصرية من “الطمي” الطبيعي الذي يعد غذاءً أساسياً للمحاصيل. علاوة على ذلك، فإن نقص المياه سيؤدي إلى زحف مياه البحر المتوسط شمالاً وتملح التربة، وهو ما يهدد بانهيار الرقعة الزراعية في شمال الدلتا.
ما هو تقييمك العام لأزمة سد النهضة؟
هي قضية أزلية تتطلب نظرة شمولية؛ فوجود السد يهدد المحاصيل النوعية التي تميز مصر، مثل القطن والقمح، بسبب حاجتها للري بالغمر. وفي حال انهياره، سيشكل كارثة للسودان بسبب طبيعتها الطبوغرافية.
هل ساهمت الإنجازات الأخيرة في تطوير الزراعة؟
نعم، الطاقة الشمسية تعد إنجازاً ضخماً، خاصة في أسوان (محطة بنبان). لقد ساهمت في تشغيل طلمبات الري دون الحاجة لوقود، مما خفض التكاليف، وزاد من كفاءة أنظمة الري، ودعم الاستدامة البيئية.
ما هي سلبيات الزحف العمراني على الأرض الزراعية؟
الزحف العمراني يؤدي إلى “سيكولوجية الزحام”، وهي أصل كثير من المشكلات الاجتماعية والجرائم. كما يخل بالتوازن الكوني بين الإنسان والنبات، حيث تتدهور عملية تبادل الأكسجين وثاني أكسيد الكربون بسبب التلوث والتعدي على الرقعة الخضراء.
كيف تقيم قضية المياه بين مصر والسودان؟
المياه قضية أزلية تحتاج إلى إدارة حكيمة، انفصال جنوب السودان كان خسارة مائية فادحة، حيث ضاعت على السودان كميات كبيرة من المياه التي كانت تعتمد على الأمطار، وأدى ذلك إلى وضع السودان في مواجهة تنافسية على موارد النهر، مما زاد من تعقيد المشهد المائي الإقليمي.
في ظل كل هذه التحديات الجيوسياسية والمناخية، ما هي رسالتك للمصريين حول مستقبل الزراعة والأمن المائي في مصر؟
رسالتي هي أننا أمام مرحلة تتطلب “ثقافة وعي” وليس مجرد “استهلاك”. نحن نمتلك تاريخاً زراعياً عريقاً، وعقولاً بحثية قادرة على الابتكار، والآن نمتلك إرادة سياسية وتكنولوجية للتحول نحو الزراعة الذكية والمستدامة.
التحدي كبير، لكن تحويل “المشكلة إلى فرصة” هو سمة الشعب المصري عبر العصور. إذا تكاتف وعي المواطن بترشيد الاستهلاك، مع الرؤية العلمية في إدارة الموارد وحصاد مياه الأمطار والسيول، والتوسع في المشروعات القومية المعتمدة على الطاقة النظيفة، سنضمن الحفاظ على رقعتنا الزراعية للأجيال القادمة.










