في السنوات الأخيرة، لم تعد الأخطاء التحكيمية مجرد لقطات مثيرة للجدل أو لحظات درامية عابرة في مباريات كرة القدم، بل تحولت إلى قضية يومية تمس جوهر اللعبة وتؤثر على اللاعبين والحكام والجماهير على حد سواء.
ومع تصاعد حدة الجدل واتساع رقعة المنافسات الاحترافية، دخل حكم الفيديو المساعد (VAR) إلى الملاعب الكبرى باعتباره حلاً تقنيًا يسعى إلى إعادة صياغة القرار التحكيمي، ووضعه في منطقة وسطى بين الخطأ البشري والعدالة التقنية.
جاء الـ«VAR» بوعد واضح يتمثل في تقليل الأخطاء الفادحة، وضمان احتساب ركلات الجزاء والأهداف والبطاقات الحمراء بصورة أكثر عدالة، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على التقدير البشري. غير أن هذا الابتكار، كغيره من أدوات التطور، لم يخلُ من التحديات، خاصة ما يتعلق بتأثيره النفسي على أطراف اللعبة كافة، إضافة إلى صعوبة تطبيقه في الدوريات الأقل قدرة من حيث البنية التحتية والإمكانات المالية.
أخطاء تاريخية مهّدت الطريق
عبر تاريخ كرة القدم، لم يكن التحكيم بمنأى عن الأخطاء، حتى في كبرى البطولات العالمية. وتبقى بعض الوقائع راسخة في الذاكرة، مثل هدف فرانك لامبارد الشهير في كأس العالم 2010 الذي لم يُحتسب رغم وضوحه، أو حالات التسلل المثيرة للجدل في دوري أبطال أوروبا، وعلى رأسها هدف سيرخيو راموس في نهائي 2016.
مثل هذه الأحداث شكلت دافعًا قويًا لتطوير مفهوم «الحكم 3.0»، حيث يصبح الحكم جزءًا من منظومة تقنية متكاملة، تتواصل مع غرفة تحكم مركزية، وتستعين بأدوات تحليل دقيقة لمراجعة اللقطات المفصلية.
وفي هذا السياق، أكد بيرلويجي كولينا، الرئيس السابق للجنة الحكام في الفيفا، أن الخطأ البشري سيظل جزءًا لا يتجزأ من اللعبة، مشيرًا إلى أن الـ«VAR» ليس وسيلة لإلغاء الطبيعة الإنسانية للقرار، بل أداة لتقليل الأخطاء الجسيمة.
وأوضح أن المساحات الرمادية، مثل لمسات اليد الدقيقة أو التدخلات الحدّية، ستظل محل نقاش دائم، لأن القرار النهائي يعتمد في جوهره على تفسير الحكم. وأضاف أن التقنية، رغم تطورها، لا تستطيع حذف الجدل بالكامل، لكنها تتيح توثيق اللحظات المثيرة للجدل بشكل أفضل ومراجعتها بصورة أكثر دقة.
تجربة الـVAR في مصر طموح يصطدم بالواقع
على الصعيد المحلي، تعكس تجربة ا الـ«VAR» في مصر مزيجًا من الطموح والتحديات. فقد أوضح أوسكار رويز، رئيس لجنة الحكام، أن الأخطاء لن تختفي تمامًا، لكن الهدف الأساسي هو تقليلها عبر التدريب المكثف، ومراجعة جميع الحالات بعد كل جولة، بما يعكس أن التقنية وحدها لا تكفي دون منظومة متكاملة.
ومن جانبه، أشار الخبير الرياضي حازم إمام، إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود التقنية، بل في طريقة تطبيقها وتفسير الحالات المتشابهة في مباريات مختلفة. هذا التفاوت في التقدير يخلق ازدواجية في المعايير، ويضع اللاعبين والجماهير تحت ضغط دائم، ما ينعكس سلبًا على الثقة في المنظومة التحكيمية. ومن هنا يتضح أن النجاح لا يعتمد فقط على توافر الكاميرات أو تدريب الحكام، بل يتطلب شفافية واضحة وإدارة دقيقة للبروتوكولات.
كما شدد على أن البنية التحتية تمثل عنصرًا حاسمًا في تحقيق العدالة، إذ يحتاج الـ«VAR» إلى كاميرات عالية السرعة، وغرف تحكم مركزية، وحكام فيديو مدربين وفق برامج دولية معتمدة، وهو ما يشكل عبئًا ماليًا كبيرًا، خاصة على الدوريات ذات الموارد المحدودة.
مع تطبيق التقنية، تغيرت ديناميكيات اللعب داخل المستطيل الأخضر. فالمهاجمون باتوا أكثر حذرًا قبل الاحتفال بالأهداف خوفًا من إلغائها، بينما أصبح المدافعون يحسبون أدق تحركاتهم داخل منطقة الجزاء. أما حراس المرمى، فقد وجدوا أنفسهم تحت ضغط نفسي مستمر، حيث يمكن لأي احتكاك بسيط أن يتحول إلى ركلة جزاء بعد المراجعة.
وفي هذا الإطار، يرى الخبير التحكيمي أحمد الشناوي، أن الحكم الميداني يعيش تحت ضغط مضاعف؛ إذ قد يتخذ قرارًا خاطئًا يتم تصحيحه لاحقًا، أو قرارًا صحيحًا ينتظر تأكيدًا تقنيًا، وفي كلتا الحالتين يواجه انتقادات مستمرة. وبالتالي، لم يقتصر تأثير الـ«VAR» على دقة القرارات، بل امتد ليغير طبيعة اللعبة نفسهاوتفاعل اللاعبين مع كل لحظة حاسمة.
بين الإيجابيات والتحديات: الجماهير والإعلام جدل لا ينتهي
فيما لا يمكن إغفال دور الجماهير ووسائل الإعلام في تضخيمالجدل المحيط بالـ«VAR». فقد عبّرت الجماهير في العديد منالمباريات، محليًا وأوروبيًا، عن غضبها من قرارات الفيديو، بل ومنالتقنية ذاتها، خاصة في ظل غياب الرؤية الواضحة لما يدور داخلغرفة بالـ«VAR». ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي،تحولت كل لقطة مثيرة للجدل إلى مادة ساخنة للنقاش والتحليل.
المحلل الرياضي إبراهيم فايق أشار إلى أن غياب الشفافية حولالحوار بين الحكم وغرفة الفيديو يدفع الجمهور إلى التشكيك فيعدالة القرارات، ويضيف بعدًا نفسيًا يزيد من حدة التوتر داخلالملاعب. وأكد أن مفهوم العدالة لا يقتصر على دقة القرار، بل يشملأيضًا كيفية التواصل مع الجماهير وإقناعهم بمصداقية المنظومةالتحكيمية.
ورغم الجدل المستمر، لا يمكن إنكار الإيجابيات التي حققهاالـ«VAR»، إذ ساهم بشكل ملحوظ في تقليل الأخطاء الفادحة،وزيادة دقة القرارات في المواقف الحاسمة، مثل حالات التسللالدقيقة ولمسات اليد المثيرة للجدل.
وقد أكد الخبير الدولي لويس بيريرا، أن التقنية حسّنت مستوىالعدالة في المباريات الكبرى، لكنها لم تحل جميع المشكلات، خاصةفي ظل الكلفة المالية العالية ومتطلبات البنية التحتية التي تشكلعائقًا أمام الدوريات الصغيرة.
وأضاف «بيريرا»، أن النجاح الحقيقي للـ«VAR» لا يكمن فقطفي تقليل الأخطاء، بل في توحيد المعايير، وتسريع اتخاذ القرار،وتعزيز الشفافية مع اللاعبين والجماهير على حد سواء.
شهادة من داخل الملعب
في هذا السياق، يقدم الحكم الدولي السابق سمير محمود عثمان،قراءة من داخل المنظومة، موضحًا أن «الـVAR لم يأتِ ليحمي الحكم، بل ليحمي القرار»، مشيرًا إلى أنه في بعض الحالات أنصف الحكام وصحح أخطاء كانت ستبقى وصمة في مسيرتهم، لكنه في الوقت نفسه زاد الضغط النفسي بشكل كبير، لأن كل قرار أصبح خاضعًا للمراجعة الدقيقة عبر الإعادات البطيئة وزوايا التصوير المختلفة.
وذكر أن الجدل الدائر حول التقنية يعود إلى «خليط بين سوء الفهم وسوء التطبيق»، موضحًا أن جزءًا من الأزمة يرتبط بعدم وضوح البروتوكول لدى الجماهير، وأحيانًا لدى اللاعبين، إذ توجد حالات لا يحق فيها تدخل الـ«VAR»، رغم توقع الجمهور عكس ذلك. كما أن التباين في تقدير بعض الحالات يُفسَّر أحيانًا على أنه ازدواجية، بينما قد يكون ناتجًا عن اختلاف زاوية الرؤية أو تفسير الحالة.
وفيما يتعلق بانتقادات اعتماد الحكم على الشاشة، يؤكد «عثمان»أن الحكم الجيد «يجب أن يتخذ قراره أولًا، ثم يأتي دور التقنية لتدعمه أو تصححه»، محذرًا من أن الاعتماد الكامل على غرفة الفيديو قد يفقد الحكم شخصيته داخل الملعب، ومشددًا على أن الحكم القوي هو من يثق في قراراته ويعتبر الـ«VAR» مجرد شبكة أمان.
أما على مستوى اللاعبين، فيرى أن التقنية غيّرت سلوكهم بشكل واضح؛ إذ أصبح المدافع أكثر حذرًا داخل منطقة الجزاء، والمهاجم يفكر مرتين قبل السقوط، كما لم يعد الاحتفال بالهدف عفويًا كما كان، بسبب لحظة الانتظار قبل تأكيد القرار، وهي لحظة قد تؤثر على إيقاع المباراة رغم أنها تعزز من عدالة القرارات.
وبشأن تطبيق التقنية، يشير إلى أن نجاحها لا يعتمد على الكاميرات فقط، بل على منظومة متكاملة تشمل حكام فيديو مؤهلين، وغرفة مجهزة، وسرعة اتصال عالية، مؤكدًا أن أي خلل تقني حتى وأن كان بسيط قد يفقد الثقة في القرار بالكامل، ما يبرز أهمية الاستمرارية في التدريب والتحديث.
ويحذّر «عثمان» من أن «ازدواجية المعايير أخطر من الخطأ التحكيمي»، موضحًا أن الجمهور قد يتقبل الخطأ إذا كان يُطبَّق على الجميع، لكنه يفقد الثقة عندما تُفسَّر الحالات المتشابهة بطرق مختلفة، معتبرًا أن هذه النقطة تمثل التحدي الأكبر أمام التحكيم.
المستقبل.. توازن صعب نحو تحكيم أكثر ذكاءً
يتجه مستقبل التحكيم في كرة القدم نحو توسيع الاعتماد على الأنظمة الذكية والتقنيات شبه الآلية، وعلى رأسها نظام التسلل شبه الآلي (SAOT)، في محاولة لتقليص مساحة التقدير البشري في الحالات الدقيقة وتسريع حسم القرارات داخل الملعب.
وفي هذا الإطار، يرى بيرلويجي كولينا، الرئيس السابق للجنة الحكام في الفيفا، أن هذه التطورات، رغم أهميتها، لن تقضي على الجدل بشكل كامل، لكنها ستمنح الحكام أدوات أكثر دقة، وتساعدهم على اتخاذ قرارات أسرع، بما يخفف من حدة الضغوط الإعلامية والجماهيرية.
ومن جانبه، يتوقع سمير عثمان، أن يتجه التحكيم مستقبلًا إلى الاعتماد بشكل أكبر على التكنولوجيا، وربما على تقنيات شبه آلية في القرارات الحاسمة، إلا أنه يؤكد في الوقت ذاته أن الحكم سيظل عنصرًا بشريًا لا غنى عنه، لأن كرة القدم — على حد وصفه — «لا يمكن تحويلها إلى معادلة رياضية بحتة».
وبين هذا وذاك، يظل التحدي الأكبر قائمًا في تحقيق توازن دقيق بين التقنية والإنسانية؛ فالتكنولوجيا قادرة على دعم العدالة وتقليل الأخطاء، لكنها لا تستطيع أن تحل محل روح اللعبة، التي تقوم في جوهرها على التفاعل البشري، والجدل، والعاطف.، وهي العناصر التي منحت كرة القدم سحرها، وستظل جزءًا لا يتجزأ من مستقبلها مهما تطورت الأدوات.











