حوار: مايا البنا وزينب احمد
يظل اسم خضر التوني محفورًا في ذاكرة الرياضة المصرية والعربية كأحد أعظم أبطال رفع الأثقال في التاريخ، رجل رفع علم مصر عاليًا في أولمبياد برلين عام 1936، وأرغم العالم على الانحناء احترامًا لإرادته وقوته وإيمانه بوطنه. لكن وراء كل بطل، هناك إنسان؛ وراء كل إنجاز عالمي، هناك قصة حياة، تفاصيل صغيرة ومواقف يومية تشكل شخصية الرجل الحقيقي.
البطل الراحل لم يكن مجرد رقم أو لقب على لوحة التاريخ الرياضي، بل كان نموذجًا للإرادة والانضباط والتفاني، رجل جعل الرياضة أسلوب حياة ورفعها إلى أبعاد معنوية تتجاوز الأرقام والميداليات. كان رجلاً بسيطًا متدينًا، يربط بين عمله، تدريبه، وحياته العائلية بروح إنسانية صادقة، تاركًا أثرًا لا يُمحى في كل من عرفه.
وفي محاولة للغوص في أعماق هذه الشخصية الفريدة، استضفنا نجله، اللواء شكري خضر التوني، الذي فتح قلبه وذكرياته ليكشف لنا الجوانب الإنسانية لشخص والده البطل، ويقدم لنا رؤية واضحة عن حياة الرجل الذي لم يصنعه الإعلام، بل صاغه العرق والعمل والإيمان. ورسم صورة شاملة لخضر التوني، ليس كبطل أولمبي فقط، بل كأب وزوج وإنسان عاش حياته ببساطة وقيم ثابتة، ليترك إرثًا لا يقتصر على الرياضة، بل يتعداها إلى معنى البطولة الحقيقية في الحياة.
في البداية، نود أن ترسم لنا تعريفًا يلخص لنا مسيرة خضر التوني الذي ما زال التاريخ يذكره؟
والدي، خضر التوني، كان بطل رفع الأثقال المصري الذي أذهل العالم بأدائه في دورة الألعاب الأولمبية ببرلين عام 1936، حين فاز بالميدالية الذهبية. بعد الفوز، قال له الزعيم الألماني هتلر: «كنت أتمنى أن تكون ألمانيًّا، ولكن مصر تفخر بك.» تلك اللحظة كانت رمزًا للفخر والكرامة، ورفعت اسم مصر عاليًا بين الأمم.
وكان هذا الإنجاز ليس مجرد تتويج شخصي، بل خطوة كبيرة للرياضة المصرية على الصعيد الدولي، إذ أكسبها مكانة مرموقة بين الدول المشاركة، وألهم أجيالًا من الرياضيين المصريين لمواصلة التحدي وتحقيق البطولات العالمية.
هناك رواية مشهورة تقول إن هتلر انحنى للبطل خضر التوني، ما صحة ذلك؟
القصة صحيحة من حيث المشهد، لكن ليس بالمعنى الحرفي للانحناء. الحقيقة أن منصة التتويج كانت مرتفعة عن الأرض بعدة سنتيمترات، وعندما تقدّم هتلر لمصافحته، اضطر لأن ينحني قليلًا بفعل ارتفاع المنصة، فظهرت اللقطة وكأنه ينحني له إجلالًا.
هل هناك مواقف بطولية أو أسرار عن خضر التوني لا يعرفها الناس؟
والدي كان يعيش كل تفاصيل حياته من أجل رفع الأثقال فقط. لم يكن يهتم بشيء آخر، فكل وقته كان بين التدريب والعمل الجاد. لم تكن هناك مواقف خارج هذا الإطار، لأن الرياضة بالنسبة له كانت أسلوب حياة، وليست مجرد هواية أو وسيلة للاحتفاء الشخصي. ورغم كل الضغوط والتحديات التي واجهته، كان يتحلى بالصبر والمثابرة، ويؤمن بأن التفاني في التدريب هو الطريق الوحيد لتحقيق الإنجازات، وهو ما جعله مثالًا يحتذى به للرياضيين الشباب.
وكيف كان خضر التوني في حياته اليومية؟
كان رجلًا متدينًا بسيطًا جدًا، يبدأ يومه بالعمل ثم يعود إلى المنزل للراحة، وبعدها يتوجه إلى نادي الترسانة، الذي كان جزءًا من حياته اليومية. كان محبوبًا من الجميع، وكل من يراه في الشارع كان يشير إليه بإعجاب وفخر.
الشهرة لم تغيّر بساطته، بل على العكس، كان يحرص على ممارسة حياته الطبيعية بعيدًا عن الأضواء، محافظًا على علاقته الحقيقية بالناس ومجتمعه، وهو ما جعل مكانته تتجاوز مجرد كونها بطولية إلى كونها إنسانية.
ما القيم التي آمن بها خضر التوني في حياته؟
الجانب الديني كان مهمًا للغاية بالنسبة له. كان يحرص على الصلاة ويهتم بتربية أبنائه على الالتزام بها. وكان دائمًا يقول: «من لا يصلي سيتم حرمانه من المصروف». الدين كان بالنسبة له أساس التربية والانضباط، ومفتاح النجاح في الحياة. وإلى جانب الدين، كان يقدّر الصدق والنزاهة والعمل الجاد، مؤمنًا بأن النجاح الحقيقي لا يأتي إلا بالالتزام بالقيم الأخلاقية والجدية في ممارسة الرياضة والعمل.
لو كان خضر التوني بيننا اليوم، ما النصيحة التي كان سيقدمها للأجيال الجديدة من الرياضيين؟
كان سيقول لهم دائمًا: «على قدر تعبك يكون نجاحك.» وكان يضرب المثال بالعمل والاجتهاد: «من يذاكر ينجح، ومن سيبذل جهدًا ويعمل على تطوير نفسه سيصل إلى حلمه وهدفه.» فلسفته في الحياة كانت واضحة: العمل، الإيمان، الالتزام.
وكيف تعامل مع الشهرة بعد إنجازه التاريخي؟
رغم الشهرة الواسعة بعد أولمبياد برلين، ظل والدي بسيطًا في تعامله مع الناس ولم يسعَ يومًا وراء الأضواء. كان يرى أن الإنجاز الحقيقي هو احترام الناس وحبهم، وليس الشهرة أو التصفيق المؤقت. وكان دائمًا يردد أن الشهرة عابرة، بينما الإرث الحقيقي للإنسان يكمن في قيمه وأثره في الآخرين، وهذا ما جعله محبوبًا ومحترمًا ليس فقط كبطل أولمبي، بل كنموذج إنساني راقٍ.
هل شعر يومًا بالظلم أو التقصير في حقه؟
لم يكن من الشخصيات التي تتذمر أو تشتكي. كان مؤمنًا بأن كل شيء عند الله محسوب، وأن ما كتبه الله له سيصل إليه مهما تأخر. كان يركز على عمله وتدريبه فقط، ويترك مسألة التقدير للزمن والتاريخ.
وحتى في مواجهة الصعوبات أو عدم تقدير الآخرين، كان والدي يربط النجاح بالاستمرارية والتفاني، إذ كان لديه يقينًا بأن التاريخ سيكرم من يستحق، بغض النظر عن اللحظات المؤقتة من التقصير أو الظلم.
كيف ترغب أن يتذكر المصريون خضر التوني اليوم؟
أتمنى أن يتذكره الناس كنموذج حقيقي للبطل المصري الأصيل؛ بطل لم يصنعه الإعلام، بل صنعه العرق والتعب والإيمان. خضر التوني لم يكن مجرد بطل أولمبي، بل كان رمزًا للإرادة والانضباط وحب الوطن.
وأتمنى أيضًا أن تكون ذكراه مصدر إلهام لكل من يسعى لتحقيق النجاح بصدق واجتهاد، وأن يفهم الناس أن البطولة ليست في الميدالية فقط، بل في القيم والعمل المستمر الذي يترك أثرًا خالدًا في قلوب الأجيال.








