تحقيق – مؤمن عبد الحميد
حين يُذكر قطاع البترول، تتقدم إلى الذهن صور الآبار والمنصات والمواسير واللهب الأزرق، وتتصدر لغة الإنتاج والاستكشاف وحصص التصدير والمليارات المشهد. غير أن الحقيقة الأعمق في هذا العالم لا تبدأ من النفط، بل من الإنسان الذي يقف على حافة الخطر كي يبقى هذا القطاع قادرًا على العمل. في المواقع البحرية البعيدة، وفي الحقول الممتدة وسط الصحراء، لا تتحرك الماكينات وحدها، بل تتحرك معها أجساد تعمل تحت الضغط، وأعصاب تُستنزف، وقلوب تُطلب منها يقظة لا تنام.
في هذه المساحات النائية، لا يكون الخطر احتمالًا نظريًا، بل جزءًا أصيلًا من يوم العمل. قد يأتي في صورة حريق، أو ماس كهربائي، أو سقوط من ارتفاع، أو حادث سيارة، أو إصابة بسبب معدات ثقيلة. وقد يتسلل ببطء في هيئة ضغط دم مرتفع، أو سكر، أو مرض قلب، أو سمنة تتفاقم مع نمط حياة قاسٍ لا يمنح الجسد دائمًا ما يحتاجه من توازن. هنا، لا تنفصل بيئة العمل عن بيئة التهديد، ولا تصبح السلامة شعارًا إداريًا، بل شرطًا يوميًا للبقاء.
وربما لهذا السبب تحديدًا، لا يمكن النظر إلى المنظومة الطبية في شركات البترول باعتبارها خدمة تكميلية أو ملحقًا إداريًا يأتي بعد التشغيل، بل باعتبارها إحدى البنى الخفية التي يقوم عليها القطاع نفسه. فالطواقم الطبية في هذه البيئات لا تؤدي وظيفة العلاج فقط، لكنها تراقب، وتتوقع، وتستعد، وتتخذ القرار تحت ضغط الوقت، وتتحرك في لحظات قد يفصل فيها بين الإصابة والتعافي أقل من دقيقتين.
ولأن قطاع البترول في مصر ليس قطاعًا هامشيًا، بل أحد أعمدة الاقتصاد، فإن ما يجري داخله لا يتعلق فقط بسلامة أفراد يعملون في مواقع نائية، بل باستمرارية قطاع يساهم رسميًا بنحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي، ويجذب استثمارات بمليارات الدولارات، ويُنظر إليه بوصفه ركيزة في تأمين الطاقة والبنية الصناعية. غير أن هذا الثقل الاقتصادي لا يلغي الحقيقة الأكثر إنسانية: كل برميل يخرج من باطن الأرض يمر، قبل ذلك، عبر بشر يتعرضون يوميًا لاختبار القسوة والانضباط والخطر.
من هذه الزاوية تحديدًا، تبدو الحكاية مختلفة. ليست حكاية قطاع ينتج الطاقة فقط، بل حكاية أجساد تُحمى كي يظل الإنتاج ممكنًا. وليست حكاية طبيب يجلس في عيادة، بل منظومة تعمل على مدار الساعة في أماكن لا تحتمل بطء القرار. بين مهندس فوق منصة، وفني داخل موقع حفر، وسائق على طريق صحراوي، وطبيب يراقب المؤشرات، وصيدلي يراجع الجرعات، ومحاسب يطارد الفارق بين العلاج والتكلفة، تتشكل صورة كاملة لقطاع لا يُدار فقط بالوقود، بل أيضًا باليقظة الطبية.
ومن قلب هذه التفاصيل، تحاول مجلة «سكوب» الاقتراب من هذه المساحة الإنسانية داخل واحد من أكثر القطاعات حساسية، عبر تتبع كواليس العمل الطبي في الحقول البترولية، من قلب المواقع البعيدة إلى غرف اتخاذ القرار.
120 ثانية بين الإصابة والنجاة
«نصل إلى موقع الحادث خلال دقيقتين»… بهذه العبارة يختصر د. ماجد صقر، رئيس القومسيون الطبي في شركة «بترول بلاعيم»، فلسفة العمل الطبي داخل الحقول. إذ أن 120 ثانية فقط قد تكون الفارق بين إصابة يمكن احتواؤها، وأخرى تتدهور بسرعة. هنا، لا يُقاس الوقت بالدقائق، بل بقدرة الجسد على الصمود حتى وصول المساعدة.
هذه الفلسفة تكونت بفضل خبرة ممتدة لأكثر من ثلاثة عقود. فصقر، الذي بدأ مسيرته بعد تخرجه في كلية الطب عام 1988، وعمل طبيب جراحة في مستشفى النيل للجراحة لمدة عامين، قبل أن يلتحق بشركة «بترول بلاعيم»، لم يصل إلى موقعه الحالي دفعة واحدة. بدأ من نقطة الصفر، وارتقى تدريجيًا بين الوظائف الطبية المختلفة، حتى تولى رئاسة القومسيون الطبي لقطاع البترول، بعد رحلة مهنية تجاوزت 36 عامًا، يصف كل يوم فيها بأنه «درس جديد في الطب والإدارة والأخلاقيات المهنية».
من موقعه هذا، لا يتحدث صقر عن الطب باعتباره مهنة تقليدية، بل كمنظومة تُبنى وتُدار. ويؤكد أن الطواقم الطبية تمثل صمام الأمان لحياة آلاف العاملين بقطاع النفط، وهي عبارة لا تبدو إنشائية بقدر ما تعكس واقع العمل داخل بيئة لا تتحمل التأخير أو الخطأ.
داخل هذه المنظومة، تظل الأولوية القصوى هي الحفاظ على بيئة صحية وآمنة للعاملين، مع سرعة التدخل الطبي في حالات الإصابات، لضمان عودة العامل إلى عمله دون إهدار للوقت. غير أن الرعاية، في هذا القطاع، لا تتوقف عند العامل النشط فقط، بل تمتد أيضًا إلى أصحاب المعاشات من قدامى العاملين، الذين غالبًا ما يكونون في أضعف حالاتهم الصحية، حيث تحرص الإدارة الطبية على تقديم خدمات طبية محترمة وراقية لهم.
هذا الاتساع في مفهوم الرعاية يكشف أن الطب في قطاع البترول، كما يراه صقر، لا يبدأ من الحادث ولا ينتهي بانتهاء الخدمة الوظيفية، بل يضع الإنسان في قلب الاهتمام في كل مراحل حياته المهنية وما بعدها. ومن هنا، تصبح المنظومة الطبية أقرب إلى مظلة ممتدة، لا مجرد استجابة وقتية.

منظومة تحت الضغط… نقص كوادر وقيود مالية وتحديات لوجستية
غير أن هذه المظلة تعمل في ظروف معقدة. فالتحديات، كما يوضح صقر، تبدأ من نقص الأيدي العاملة وصعوبة التعيين بسبب الإجراءات المعقدة، ولا تنتهي عند القيود المالية التي تظهر أحيانًا، فضلًا عن التحدي اللوجستي المرتبط بتوفير الأجهزة الطبية والأدوية للعيادات المنتشرة في المواقع البرية والبحرية. ومع ذلك، تستمر محاولات تطوير المنظومة بشكل سنوي، بما يتماشى مع احتياجات العمل، حفاظًا على سلامة العاملين وجودة الخدمة.
وفي بيئة يصبح فيها الزمن جزءًا من العلاج، لم يعد التحول الرقمي رفاهية. يوضح صقر أن الميكنة الكاملة جرى تطبيقها في جميع العمليات الطبية، بدءًا من الروشتات والتحويلات، مرورًا بالمطالبات المالية والطلبيات، وصولًا إلى تقارير الحقول. هذا التحول لم يختصر الوقت فقط، بل أتاح متابعة الحالات الطبية في الوقت الحقيقي، بما يعزز سرعة الاستجابة، خاصة في المواقع النائية التي تصبح فيها المعلومة السريعة جزءًا من عملية الإنقاذ.
ولا تقتصر الجاهزية على البيانات، بل تمتد إلى البنية المادية نفسها. فالعيادات والطوارئ في المواقع البرية والبحرية تخضع لتقييم سنوي شامل، مع استبدال الأجهزة القديمة بأحدث النماذج لضمان الاستعداد الكامل للطوارئ. الهدف ليس التحديث فقط، بل ضمان أن يكون الموقع البعيد قادرًا على الصمود طبيًا قبل وصول الدعم الأكبر.
وعندما تقع الأزمة فعلًا، يتحول الزمن إلى عنصر حاسم. إذ يعمل فريق الطوارئ على مدار الساعة، ومع أي بلاغ يتم إخطار مدير الحقل فورًا، لينطلق الطاقم الطبي مباشرة، ويصل خلال دقيقتين فقط إلى موقع الحدث. تلك الدقيقتان ليستا مجرد رقم، بل حد فاصل بين احتواء إصابة وتفاقمها، بين نجاة جسد وانزلاقه إلى ما هو أخطر.
خريطة الخطر… من الأمراض المزمنة إلى الحوادث الكبرى
وفي هذا السياق، يرسم صقر خريطة مزدوجة للمخاطر التي يواجهها العاملون. فمن ناحية، هناك الأمراض المزمنة مثل الضغط، والسكر، وأمراض القلب، والسمنة، والتي تتفاقم وفق نمط الحياة. ومن ناحية أخرى، تظل المخاطر الميدانية قائمة: حرائق، ماس كهربائي، سقوط من ارتفاعات، وحوادث سيارات أو معدات ثقيلة. ورغم أن هذه المخاطر متشابهة بين المواقع، فإن الحقول الأكثر نشاطًا تكون بطبيعتها أكثر عرضة للخطر.
ورغم ذلك، يصر صقر على أن الحقول كلها متساوية في الخطورة، وأن أي حادثة كبيرة تستدعي تعاون جميع الشركات، في انعكاس لطبيعة القطاع بوصفه شبكة مترابطة لا يمكن التعامل مع مخاطره بشكل منفصل.
في التفاصيل اليومية، تظهر مخاطر أخرى أقل وضوحًا، لكنها لا تقل أهمية. فالكشف السنوي على السمع أصبح إجراءً أساسيًا، خاصة في المواقع التي تضم معدات حفر عالية الضوضاء، لتجنب ضعف السمع المبكر. كما يتم التعامل مع الحرائق عبر تبريد الموقع فورًا لمنع أي تسرب للغاز أو انفجار محتمل، في حين لا تمثل حرارة الماكينات خطرًا مباشرًا.
حتى إصابات المفاصل والعظام، يعيد صقر تفسيرها بعيدًا عن التصورات الشائعة؛ فالإجهاد، بحسب قوله، لا يرتبط بالوقوف الطويل بقدر ما يرتبط بالوزن الزائد، أو الإصابات السابقة، أو الأمراض المزمنة، مع تصميم ساعات العمل بعناية لتقليل الضغط على المفاصل، انطلاقًا من وضع صحة العامل في المقام الأول.
لكن في بيئة لا يمكن للطبيب أن يتواجد فيها في كل نقطة، يصبح التدريب جزءًا من منظومة الحماية. إذ يتلقى المهندسون تدريبات على الإسعافات الأولية تمكنهم من التعامل مع الإصابات حتى وصول الطاقم الطبي، وهو ما يعكس أن السلامة لا تعتمد فقط على وجود الطبيب، بل على توزيع القدرة على التدخل داخل الموقع نفسه.
ولا يتوقف الحديث عند الجسد فقط، بل يمتد إلى ما هو أبعد. فالدعم النفسي، كما يؤكد صقر، جزء أساسي من التعافي. فبعد تلقي العلاج في أفضل المستشفيات وعلى نفقة الشركة، يشعر العامل بالأمان، وهو عنصر لا يقل أهمية عن العلاج الطبي نفسه.
ومن هنا، يصف صقر المنظومة الطبية التي أسسها بأنها قائمة على خبرة طويلة واستعداد دائم، مع رؤية إنسانية تراعي العامل في كل مراحل حياته، مؤكدًا أن الطب في قطاع البترول ليس مجرد وظيفة، بل صمام الأمان وخط الدفاع الأول عن حياة آلاف العمال يوميًا.
بروتوكولات موحدة لقطاع لا يحتمل الارتجال
من ناحيته، التقط د. خالد سرحان، مدير مساعد الشؤون الطبية بقطاع البترول في شركة «جاسكوا»، يلتقط الخيط نفسه من زاوية تركز على فلسفة المنظومة الطبية ذاتها. فبالنسبة إليه، لا تقتصر هذه المنظومة على تقديم العلاج، بل تقوم على الوقاية، والجاهزية، واتخاذ القرار الطبي السليم، في بيئة لا تسمح برد الفعل المتأخر، بل تتطلب استباق الخطر قبل وقوعه.
من هذا المنظور، يشرح سرحان أن تحويل المرضى المزمنين إلى الكومسيون الطبي لا يتم بوصفه إجراءً روتينيًا، بل فقط عندما تؤثر الحالة الصحية على السلامة أو الأداء الوظيفي، وبعد تقييم طبي دقيق يراعي مصلحة العامل والموقع معًا. المعنى هنا شديد الأهمية: المرض المزمن لا يُقرأ فقط بلغة الملف الطبي، بل بلغة أثره على بيئة عمل حساسة، حيث قد يتحول الإغماء أو تدهور الحالة الصحية المفاجئ إلى خطر يتجاوز الفرد نفسه.
ويؤكد سرحان أن القطاع الطبي يعمل وفق بروتوكولات منظمة تشمل الطوارئ، والإخلاء الطبي، والكشف الدوري، بما يضمن أعلى درجات الأمان في بيئات عمل عالية الخطورة. كما يشير إلى وجود اجتماعات سنوية ودورية بين شركات البترول لتوحيد الرؤى ومناقشة مؤشرات الأداء والتحديات الصحية المشتركة. وفي خلفية هذه الاجتماعات، يتضح أن الطب في القطاع البترولي لا يُدار داخل كل شركة على حدة بمعزل عن الأخرى، بل عبر قدر من التنسيق المستمر الذي تفرضه طبيعة المخاطر المشتركة.

ولا يبتعد سرحان عن الملف الوقائي حين يتحدث عن التوعية الصحية. فبرامج التوعية بالتغذية السليمة ونمط الحياة الصحي، بحسب قوله، أصبحت عنصرًا أساسيًا داخل المواقع للحد من الأمراض المزمنة والإجهاد المهني. بهذا المعنى، لا تقتصر المنظومة الطبية على استقبال العامل حين يمرض، بل تحاول التدخل في نمط حياته نفسه، بما يخفف من احتمالات أن يتحول الضغط المزمن أو الإرهاق المتراكم إلى خطر أكبر.
وعندما يتحدث عن الجاهزية الطبية، يستخدم تعبيرًا دقيقًا: “الجاهزية الطبية تُقاس ولا تُقدَّر”. فهو يبين أن تحديد الجاهزية الطبية لكل موقع يعتمد على تقييم شامل لعدد العاملين، ودرجة المخاطر، وتوافر الإمكانات الطبية، مع مراجعة مستمرة. كذلك يوضح أن اختيار الأطباء والتمريض يتم وفق معايير صارمة، مع تدريب مستمر يؤهلهم للتعامل مع الطوارئ وضغط العمل. ويختتم هذا الخط من الحديث بالتأكيد على أن العامل نفسه يمثل عنصرًا أساسيًا في المنظومة الطبية، من خلال الالتزام بالتعليمات والإبلاغ المبكر عن أي مشكلات صحية.
لكن سرحان يعود مرة أخرى لتثبيت فكرة محورية: الطب في مواقع البترول هو إدارة مخاطر قبل أن يكون رعاية صحية. فالمنظومة الطبية، كما يقول، لا تتوقف عند حدود ساعات العمل التقليدية، بل تعمل على مدار الساعة، نظرًا لطبيعة النشاط البترولي الذي لا يعرف التوقف. والفرق الطبية داخل المواقع مدربة على التعامل مع جميع السيناريوهات، من الحالات البسيطة إلى الحوادث الجسيمة التي تتطلب تدخلًا فوريًا ومنسقًا. ولهذا، فإن وجود طبيب أو فريق طبي داخل الموقع لا يُعد رفاهية، بل ضرورة حتمية تمليها طبيعة العمل في بيئة صناعية عالية الخطورة، حيث قد تكون الدقائق الأولى الفاصلة بين الحياة والموت.
في هذا السياق، يضع سرحان «طب العمل» في موقع حجر الأساس داخل القطاع البترولي. فهو يوضح أن الفحوصات الطبية قبل التعيين ليست إجراءً شكليًا، بل خط الدفاع الأول، إذ يتم من خلالها التأكد من ملاءمة الحالة الصحية لطبيعة الوظيفة، خصوصًا في الأعمال التي تتطلب مجهودًا بدنيًا أو عملًا في ظروف مناخية قاسية. ويضيف أن الهدف ليس استبعاد العامل، بل حمايته، ووضعه في المكان المناسب صحيًا، بما يضمن استمراريته في العمل دون تعريضه لمخاطر صحية مستقبلية.
الأمراض المزمنة، وفق حديثه، تُدار بمنهج علمي واضح يقوم على المتابعة المستمرة، وضبط العلاج، والتقييم الدوري لقدرة العامل على أداء مهامه. ويشدد على أن تحويل المريض المزمن إلى الكومسيون الطبي لا يعني نهاية المسار الوظيفي، بل هو خطوة تنظيمية تُتخذ لضمان العدالة الطبية وسلامة بيئة العمل، وقد ينتج عنها تعديل طبيعة العمل بدلًا من إنهائه. وهذا التفصيل مهم، لأنه يعيد تعريف “القرار الطبي” داخل شركات البترول باعتباره أداة حماية لا وسيلة إقصاء.
أما في الطوارئ، فيشرح سرحان أن كل موقع بترولي يمتلك خطة طوارئ طبية معتمدة، تشمل مسارات الإخلاء، ووسائل النقل الطبي، وأقرب المستشفيات الداعمة. ويضيف أن هذه الخطط يتم اختبارها عمليًا من خلال تدريبات ومحاكاة دورية، لضمان جاهزية الأطقم الطبية وغير الطبية على حد سواء. وفي حالات الحوادث الجماعية أو الطارئة الكبرى، يتم تفعيل نظام إدارة الأزمات، حيث تُقسَّم الأدوار بوضوح بين الفرق الطبية، والإدارة، والأمن الصناعي. وهو يؤكد أن السيطرة على ضغط العمل في هذه اللحظات لا تعتمد فقط على الخبرة الطبية، بل على الانضباط، والتواصل، والعمل الجماعي.
الصحة النفسية… الملف الذي خرج من الهامش
ومن الملف الذي لم يعد ثانويًا داخل هذه البيئات، يبرز ملف الصحة النفسية. يشير سرحان إلى أن الصحة النفسية لم تعد ملفًا هامشيًا داخل مواقع البترول، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من التقييم الطبي الشامل. فطبيعة العمل بنظام الورديات، والبعد عن الأسرة، وضغط المسؤولية، كلها عوامل قد تؤثر على التوازن النفسي للعامل. ولهذا، يتم رصد المؤشرات المبكرة للإجهاد النفسي، وتقديم الدعم اللازم، سواء من خلال الإرشاد الطبي أو تعديل نمط العمل. هنا، تبدو الصورة أكثر اكتمالًا: ليس الخطر فقط في النار أو السقوط أو الماس الكهربائي، بل أيضًا في الإرهاق النفسي البطيء الذي قد يفتك بالتركيز والقدرة على الاحتمال.
غير أن حماية العامل داخل هذه المنظومة لا تتوقف عند الطبيب والممرض وخطط الإخلاء. ثمة مستوى آخر أقل ظهورًا في المشهد، لكنه شديد التأثير في نوعية الرعاية نفسها: الصيدلية الطبية، والحسابات الطبية، وما يدور بينهما من شد وجذب صامت بين العلم والميزانية.
في هذا الجزء من الصورة، تظهر د. أميرة محمد، مدير عام تنفيذي للصيدلية التابعة للإدارة الطبية، بوصفها أحد الأصوات التي تكشف كيف يُبنى القرار الدوائي داخل شركات البترول. وهي خريجة جامعة القاهرة دفعة 2003، بدأت تكليفها في وزارة الصحة لشركات الأدوية لمدة ست سنوات، ثم انتقلت إلى شركة البترول. ومن موقعها، تتضح حقيقة أن الصيدلي داخل هذه المنظومة لا يعمل فقط في صرف العلاج، بل داخل شبكة من القواعد واللجان والاعتمادات.
فسياسة صرف الدواء، كما يوضح العاملون في القطاع، لا يحددها الصيدلي وحده، بل تخضع لما يسمى بدليل الأدوية أو «الفورمولاري»، وهي قائمة رسمية بالأدوية المعتمدة للاستخدام داخل المنظومة. وغالبًا ما يكون هناك دليل أدوية موحد على مستوى الشركة أو مجموعة شركات، ويتم تحديثه دوريًا وفقًا لتوصيات لجنة طبية تضم أطباء وصيادلة وإداريين. أما إضافة دواء أو حذفه من القائمة، فتتم عادة عبر لجنة علمية تراجع الأدلة الطبية، وسعر الدواء، ومدى الحاجة إليه، قبل اعتماد القرار.
لكن الجانب المالي يظل حاضرًا بقوة هنا أيضًا. فبعض الصيادلة يعترفون بأن الميزانية قد تفرض قيودًا على نوعية الأدوية المصروفة، خصوصًا في حالة الأدوية مرتفعة التكلفة. وحين يحدث نقص في بعض الأدوية المزمنة داخل الصيدليات الطبية للشركات، يضطر الصيدلي إلى اللجوء إلى بدائل دوائية.
وتأتي شهادة مريم لتكشف ما يحدث على أرض الواقع. مريم خريجة جامعة القاهرة دفعة 2000، بدأت تكليفها في مستشفى مصر للطيران لمدة سنة ونصف، ثم انتقلت إلى «مصر واللقاح» لمدة ست سنوات، قبل أن تنتقل إلى شركة «جاسكوا» منذ 2007. وتقول إن البدائل تكون في أغلب الحالات بنفس الكفاءة العلاجية لأن المادة الفعالة واحدة، لكن بعض المرضى يرفضون البديل بسبب الاعتياد على دواء معين. ومن الناحية القانونية، يحق للمريض الاعتراض، لكن القرار النهائي غالبًا ما يعتمد على التوافر وسياسة الصرف.
قبل أن يصل الدواء إلى العامل، تمر الوصفة الطبية بمرحلة مراجعة يقوم بها الصيدلي للتأكد من صحة الجرعات، وعدم وجود تداخلات دوائية خطيرة، وتوافق الدواء مع حالة المريض. ويكشف بعض الصيادلة أن بعض الوصفات قد تتكرر بشكل غير مبرر، وخصوصًا في حالات الأمراض المزمنة، ما يتطلب رقابة دقيقة لمنع الهدر. ولهذا تستخدم بعض الشركات أنظمة إلكترونية لمتابعة الصرف، تساعد على اكتشاف تكرار صرف نفس الدواء خلال فترة قصيرة.
وفي بعض الأحيان، يجد الصيدلي نفسه بين خيارين صعبين: الالتزام بالقواعد المالية، أو تلبية احتياجات المريض. يقول أحد الصيادلة: «نعم، يحدث أحيانًا ضغط إداري لتقليل الصرف، خاصة في نهاية السنة المالية». ومع ذلك، يملك الصيدلي سلطة إيقاف وصفة طبية إذا كانت غير آمنة أو قد تسبب ضررًا للمريض. هكذا يتبين أن الصيدلي ليس مجرد منفذ لقرار غيره، بل جزء من منظومة مساءلة ومراجعة وحماية.
وتزداد تعقيدات العمل الدوائي في المواقع البترولية البعيدة. فهناك صعوبة في نقل الأدوية، وضرورة لتوفير شروط تخزين مناسبة، والتعامل مع حالات طبية طارئة بعيدًا عن المستشفيات الكبرى. ويشير الصيادلة إلى أن ظروف التخزين قد تؤثر بالفعل على فعالية بعض الأدوية الحساسة للحرارة، وهو ما يتطلب تجهيزات خاصة. وفي مثل هذه البيئات، يصبح الحفاظ على صلاحية الدواء جزءًا من الحفاظ على حياة المريض نفسه.
ومن أخطر ما قد يحدث داخل أي منظومة طبية، كما يقول العاملون، الخطأ الدوائي: صرف دواء بجرعة خاطئة، أو لمريض غير مناسب. لكن الصيادلة يشكون أحيانًا من أنهم قد يتحملون مسؤولية أخطاء ليست من صنعهم، مثل أخطاء التشخيص أو كتابة الروشتة. ولهذا تطالب أصوات كثيرة داخل القطاع بزيادة التدريب الدوري للصيادلة وتوسيع دورهم في اتخاذ القرار الطبي.
رقابة على الإنفاق… ومفاجآت لا تُخطط لها الميزانيات
وعلى الضفة الأخرى من هذه المنظومة يقف «المحاسب الطبي»، ذلك الدور الذي قد يبدو بعيدًا عن الجسد والألم والنجاة، لكنه في الحقيقة يتدخل مباشرة في حدود ما يمكن للنظام أن يقدمه من علاج. في هذا الإطار، تشير شهادات العاملين في قطاع البترول إلى أن الميزانية الطبية السنوية تُبنى عادة على بيانات السنوات السابقة، مع إضافة تقديرات للزيادة في الأسعار أو عدد العاملين، فيما يصدر القرار النهائي لاعتماد الميزانية غالبًا عن الإدارة العليا أو مجلس الإدارة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تعكس هذه الميزانية الاحتياجات الفعلية؟ الإجابة ليست دائمًا إيجابية، إذ يؤكد بعض المحاسبين أن الميزانية قد لا تغطي جميع الاحتياجات الطبية فيبعض السنوات. ومن هنا يظهر ملف «السقف العلاجي»، أحد الأدوات المالية التي تعتمد عليها كثير من الشركات لتنظيم الإنفاق الطبي على العاملين، ويُقصد به الحد الأقصى الذي يمكن أن تتحمله الشركة من تكاليف علاج الموظف خلال العام الواحد. ويُحدد هذا السقف عادة وفق مجموعة من المعايير الإدارية، من بينها الدرجة الوظيفية التي يشغلها العامل، وعدد سنوات خدمته داخل الشركة، إضافة إلى طبيعة الوظيفة وما قد تتطلبه من مخاطر صحية.
غير أن هذا النظام يثير كثيرًا من الجدل حول مدى عدالته. فاختلاف الحدود العلاجية بين العاملين قد يخلق شعورًا بعدم المساواة في الحصول على الرعاية الصحية، خاصة عندما يواجه موظفان الحالة المرضية نفسها لكن بقدرة علاجية مختلفة بسبب اختلاف درجتيهما الوظيفيتين. ويرى بعض المختصين أن تحقيق العدالة الصحية داخل المؤسسات يتطلب إعادة النظر في هذه الآلية، أو على الأقل وضع استثناءات واضحة للحالات الطبية الحرجة.
وتشير تقديرات عدد من المحاسبين العاملين في المنظومة الطبية إلى أن هناك بنودًا محددة تستحوذ على النصيب الأكبر من الميزانية الصحية للشركات. في مقدمتها الأدوية مرتفعة الثمن، لا سيما الأدوية الحديثة أو المتخصصة في علاج الأمراض المزمنة والمعقدة. كما تمثل العمليات الجراحية الكبرى عبئًا ماليًا ملحوظًا على الميزانية، نظرًا لما تتطلبه من تجهيزات طبية متقدمة وإقامة داخل المستشفيات لفترات قد تطول.
ويضاف إلى ذلك العلاج داخل المستشفيات الخاصة، والذي غالبًا ما يكون أعلى تكلفة من نظيره في المؤسسات الحكومية، إلى جانب الفحوصات التشخيصية المتقدمة مثل الأشعة المتخصصة والتحاليل الدقيقة. ولهذا تسعى بعض الشركات إلى التفاوض المستمر مع الموردين والمستشفيات المتعاقدة بهدف تقليل التكلفة، مع محاولة الحفاظ في الوقت نفسه على مستوى مقبول من جودة الخدمة الطبية.
وفي ما يتعلق بالرقابة على المصروفات الطبية، تعتمد الشركات على مجموعة من الآليات لضبط الإنفاق والحد من أي هدر محتمل. من أبرزها مراجعة الفواتير الطبية الصادرة عن المستشفيات والمعامل، للتأكد من دقتها وتوافقها مع الخدمات المقدمة فعليًا للمريض. كما بدأت العديد من المؤسسات في استخدام أنظمة إلكترونية حديثة لمتابعة عمليات الصرف الطبي، وهو ما يساعد على رصد أي تكرار غير مبرر للخدمات أو الأدوية، ويسهل عملية المراجعة المالية لاحقًا. إلى جانب ذلك، يتم إجراء تدقيق دوري للعقود المبرمة مع المستشفيات والمعامل المتعاقدة، للتأكد من التزامها بالأسعار والشروط المتفق عليها.
حين ترتفع أسعار الدواء… يبدأ التفاوض على الألم
في هذا السياق، تقول أميرة نبيل، مدير عام الحسابات الطبية لشركة «جاسكو»، إن هناك دائمًا فرقًا بين المصروف المخطط والمصروف الفعلي، وغالبًا ما يكون السبب هو الحالات الطارئة غير المتوقعة، التي تفرض نفسها على الميزانية الطبية مهما كانت دقة التخطيط المسبق. ومن هذه الجملة وحدها، يمكن فهم كيف يتحول الطارئ الطبي في قطاع البترول من حادث فردي إلى حدث مالي وإداري يعيد خلط كل الحسابات.
ويزداد هذا التوتر مع الارتفاع الكبير في أسعار الأدوية عالميًا خلال السنوات الأخيرة، وهو ما انعكس مباشرة على ميزانيات العلاج داخل الشركات. ويؤكد عدد من المختصين في الإدارة المالية الطبية أن هذا الوضع يفرض تحديات كبيرة على القائمين على إدارة الميزانيات الصحية، إذ يصبح من الضروري البحث عن حلول توازن بين السيطرة على التكاليف وضمان استمرار تقديم علاج فعال للمرضى.
ومن بين هذه الحلول التوسع في استخدام البدائل الدوائية المعتمدة، وإعادة التفاوض مع شركات الأدوية والموردين للحصول على أسعار أفضل، إضافة إلى مراجعة سياسات الشراء والتوريد بشكل دوري. ورغم هذه الإجراءات، يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على جودة الخدمة الطبية وعدم السماح للضغوط المالية بأن تؤثر في حق العامل في الحصول على علاج مناسب وآمن.
وتقول إحدى الشهادات بوضوح: «في بعض الأحيان نضطر إلى إعادة التفاوض مع الموردين أو البحث عن بدائل أقل تكلفة». لكن المشكلة تظهر عندما يؤثر تقليل التكلفة على جودة الخدمة الطبية. ومن هنا يبرز أحد أعقد الملفات داخل المنظومة الطبية في الشركات: تضارب القرار الطبي والقرار المالي. فالطبيب قد يرى ضرورة علاج معين مرتفع التكلفة، بينما يحاول النظام المالي تقليل النفقات. وفي هذه الحالات، يتم اللجوء عادة إلى لجان طبية أو إدارية مشتركة لاتخاذ القرار.
أما أحمد سيد، مدير عام الحسابات الطبية لشركة «جاسكو»، فيلفت الانتباه إلى بعد آخر لا يقل أهمية: كثير من العاملين لا يعرفون التكلفة الحقيقية لعلاجهم، لأن الفواتير تُسدد مباشرة بين الشركة والجهات الطبية. ويرى بعض الخبراء أن زيادة الشفافية قد تساعد في تقليل الهدر الطبي. وهنا تتسع الصورة من جديد: فالمشكلة لا تتعلق فقط بمن يدفع، بل أيضًا بمن يعرف، وكيف يمكن للمعلومة نفسها أن تكون أداة ترشيد وعدالة.
ورغم أن قطاع البترول يُنظر إليه من الخارج باعتباره قطاعًا واحدًا، فإن الواقع، بحسب العاملين، يشير إلى وجود تفاوت في مستوى الإنفاق الطبي بين الشركات، وهو تفاوت يعود إلى اختلاف حجم الشركة، وأرباحها السنوية، وسياساتها الإدارية. وقد يؤدي ذلك أحيانًا إلى شعور بعض العاملين بعدم العدالة الصحية. ومن هنا جاءت الإجابات المتقاربة، حين سُئل الصيادلة والمحاسبون عن أول قرار يجب اتخاذه لإصلاح المنظومة الطبية: تطوير الأنظمة الإلكترونية لإدارة الصرف الطبي، وزيادة دور الصيدلي في اتخاذ القرار العلاجي، وتحقيق شفافية أكبر في الإنفاق الطبي، وإعادة تقييم نظام السقف العلاجي.
في النهاية، لا تبدو المنظومة الطبية في قطاع البترول مجرد نظام لصرف الأدوية أو دفع الفواتير أو نقل المصابين من موقع إلى آخر. إنها شبكة معقدة من القرارات الطبية والاقتصادية والإنسانية، تمس صحة آلاف العاملين في أحد أكثر القطاعات حساسية في البلاد. وهي أيضًا مرآة صريحة للتوازن الصعب بين حق العامل في علاج مناسب وآمن، وقدرة النظام المالي على تحمل التكاليف.
لكن أبعد من كل ذلك، يكشف هذا العالم حقيقة أكثر بساطة وأشد قسوة في الوقت نفسه: أن العمل في قطاع البترول ليس فقط عملاً في قلب الثروة، بل أيضًا في قلب المخاطر. وأن المنظومة الطبية داخله ليست مجرد جهاز إسعاف موسع، بل بنية حياة كاملة، تبدأ من الفحص قبل التعيين، وتمتد عبر الكشف الدوري، والتوعية، والإخلاء، والدواء، والدعم النفسي، والمتابعة، وحتى الرعاية بعد التقاعد.
وفي كل مرة يعود فيها عامل من موقع بعيد، سالمًا أو متعافيًا أو مطمئنًا إلى أن هناك من يراقب جسده ويحسب احتمالات الخطر من أجله، تتأكد هذه الحقيقة من جديد: في قطاع البترول، لا يحرس الإنتاجَ الحديدُ وحده، بل يحرسه أيضًا أطباء وممرضون وصيادلة ومحاسبون، يعملون جميعًا في الظل، كي لا يدفع الإنسان ثمن الطاقة من جسده وحده.









