حوار: زينب احمد – حبيبة احمد – روضة طارق
في عالمٍ تملؤه التكنولوجيا والسرعة الرقمية، لا تزال هناك رياضة تقاوم الزمن، وتعتمد على لغة خفية بين الإنسان والطبيعة؛ إنها رياضة “الحمام الزاجل”، هذه الهواية التي لم تعد مجرد وسيلة قديمة لنقل الرسائل، بل تحولت إلى واحدة من أعرق وأذكى الرياضات العالمية، التي تجمع بين شغف الهواة ودقة المحترفين وروح الانتماء الوطني، ففي مصر تضرب هذه الرياضة بجذورها في أعماق التاريخ، لتعود اليوم وتفرض نفسها كمنافس قوي يجمع آلاف المتسابقين والطيور في سباقات تدار بمنتهى الاحترافية.
وانطلاقًا من حرص مجلة «سكوب» على تسليط الضوء على النماذج الملهمة والتجارب الاستثنائية، أجرينا حوارًا مع أحمد خليفة، رئيس الاتحاد المصري للحمام الزاجل، للوقوف على كواليس واحدة من أقدم الرياضات وأكثرها خصوصية في مصر.
ولم يكن اللقاء مجرد حديث عن تربية الطيور، بل كشف عن مؤسسة شبابية تسهم في صقل مهارات الشباب وبناء شخصياتهم، إلى جانب عالم احترافي تتوارث فيه الطيور شهادات نسب تمتد إلى الجد السابع، وتصل قيمتها السوقية إلى مستويات تنافس أسعار أفخم السيارات والخيول العربية الأصيلة.
تحدثنا عن كواليس السباقات التي يشارك فيها أكثر من 37 ألف طائر، وعن الدور الخفي للاتحاد في تنمية مهارات الشباب ذهنياً وبدنياً من خلال دورات التحكم في الذات والتنمية البشرية. يكشف لنا ضيفنا كيف استطاع الحمام الزاجل المصري أن يحلق في سماء المنافسات الدولية، وكيف يواجه المربون تحديات الطقس وارتفاع التكاليف بصبر المقاتلين. رحلة مشوقة نرويها لكم بين سطور هذا الحوار، لنكتشف كيف تحول “جناح الطير” إلى سفير للسلام ورمز للذكاء المصري الفطري.. وإلى نص الحوار:
نود في البداية أن نقترب أكثر من شخصية “أحمد خليفة”.. مَن هو الرجل الذي يقود دفة الحمام الزاجل في مصر؟
أنا أحمد خليفة، أعمل محامياً بالنقض، وهي مهنة علمتني الدقة والالتزام بالقانون، ولكن شغفي الحقيقي الذي رافقني منذ الطفولة هو الحمام الزاجل. حالياً، أتشرف برئاسة الاتحاد المصري للحمام الزاجل، وهو الكيان الرسمي الذي يسعى لتنظيم هذه الهواية العريقة وتحويلها إلى رياضة احترافية تليق باسم مصر على الخريطة الدولية.
الكثيرون يجهلون قيمة هذه الرياضة.. هل لك أن تعطينا نبذة مفصلة عن عالم الحمام الزاجل ومدى قوته مقارنة بالرياضات الأخرى؟
نحن لا نتحدث عن مجرد هواية، بل عن هيئة شبابية متكاملة تهتم بشؤون الشباب وتنميتهم من خلال نشاط يعشقونه رياضة الحمام الزاجل لها اتحاد دولي وسباقات محلية وعالمية ضخمة جداً، والمفاجأة أنها تتفوق في أرقامها على رياضات جماعية شهيرة؛ ففي آخر سباق نظمه الاتحاد، شارك سبعة وثلاثون ألف طائر، يقودهم مدير فني على الأرض، وهذا رقم لا يتحقق في أي لعبة أخرى. الحمام الزاجل يشبه “الخيل العربي الأصيل”، فكل حمامة لها شهادة نسب (Pedigree) موثقة تصل إلى الجد السابع. وعالمياً، وصلت قيمة أغلى حمامة تم بيعها إلى مليون و650 ألف يورو. نحن نهتم بتنظيم فكر الشباب وتنميته ذهنياً وعلمياً، ونقدم لهم دورات في التنمية البشرية والتحكم في الغضب، لأن التعامل مع هذا الطائر يتطلب صبراً وحكمة تفوق أي رياضة أخرى.
كيف يتم تدريب هذه الطيور على الطيران لمسافات شاسعة والعودة بدقة مذهلة؟
السر يكمن في النظام والصبر التدريب يبدأ باختيار سلالة زاجلة قوية في عمر 3 أو 4 أشهر. في البداية، نثبت “المسكن” في ذاكرة الطائر، حيث يخرج يومياً ليلف حول “الغية” لتقوية أجنحته وحفظ معالم المكان. بعد ذلك، تبدأ مرحلة “التدريب المتدرج”؛ نطلقه من مسافة 1 كم، ثم نكررها حتى يرجع بسرعة، ثم نرفع المسافة إلى 3 و5 و10 وصولاً لـ 30 كم. لا نزيد المسافة إلا إذا تأكدنا من لياقته،الغذاء أيضاً هو “وقود الطيران”، فيجب أن يحتوي على خلطة متوازنة من الذرة والقمح والعدس والفيتامينات. التدريب ليس مجرد قوة، بل هو “عِشرة” وفهم للطائر، والحمامة الشاطرة هي التي تسبق الريح لتعود لبيتها مهما كانت الصعوبات.
السباقات ليست مجرد إطلاق حمام في الهواء.. ما هي القواعد الصارمة التي تحكم “ماراثون” الزاجل؟
السباق في الاتحاد عملية هندسية دقيقة نبدأ بتسجيل الحمام وأصحابه رسمياً وتحديد إحداثيات مكان الإطلاق ومكان العودة (الغية) باستخدام “GPS”. يتم فحص الحمام طبياً للتأكد من سلامته، ثم يوضع في أقفاص مخصصة وينقل بسيارات الاتحاد لمكان الإطلاق. الإطلاق يتم مع أول ضوء للنهار وفي ظروف جوية مناسبة. التوقيت يحسب بالثانية؛ فكل حمامة ترتدي حجلاً (دبلة) إلكترونياً، وبمجرد دخولها غيتها، يسجل النظام الإلكتروني لحظة وصولها، ويتم تقسيم المسافة على الزمن لحساب السرعة بدقة متناهية هنا لا يوجد مجال للخطأ البشري، فالتكنولوجيا هي الحكم.
هل هناك “دوري” أو تصنيفات رسمية لهذه المسابقات، أم أن جميع الحمام يشارك في سباق واحد؟
نعم، يوجد تصنيف رسمي دقيق لضمان العدالة وتكافؤ الفرص. تُقسم السباقات حسب المسافة إلى: “السرعة” (القصيرة)، و”الوسط”، و”الطويل” (الماراثون) التي قد تتخطى 1000 كم. كما يوجد تصنيف حسب “عمر الحمام”، فهناك سباقات خاصة بـ “الزغاليل” (الطيور الصغيرة) وأخرى للحمام “القديم” (البالغ). أيضاً نصنف المتسابقين أحياناً حسب مستوى الخبرة. هذا التنظيم هو ما يجعل المربي المصري يثق في نزاهة النتائج، ويجعل المنافسة محترفة وعلى قواعد دولية ثابتة.
مصر تمتلك تاريخاً عريقاً في كل شيء.. فمتى بدأت قصة الزاجل في أرض الكنانة؟
الحمام الزاجل في مصر “تراث وطني” بدأ مع الحضارة الفرعونية، المصري القديم كان أول من سخر الطبيعة لخدمته، فاستخدم الحمام لنقل رسائل الملك وأخبار المعارك والفيضان بين المدن والمعابد، وهناك نقوش تثبت ذلك واستمر هذا الاهتمام في العصور الإسلامية، وتحديداً في عهد “نور الدين زنكي” الذي أنشأ أول نظام بريد للحمام. ومع الوقت، تطور الأمر من وسيلة اتصال ضرورية إلى رياضة منظمة، نحن لا نمارس هواية جديدة، بل نحافظ على إرث أجدادنا الذين علموا العالم كيف يتواصل عبر السماء.
رغم هذا التاريخ، لابد من وجود تحديات.. ما هي أبرز الصعوبات التي تواجه مربي الحمام الزاجل في مصر اليوم؟
التحديات موجودة، وأهمها الارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف المستوردة والأدوية البيطرية، مما يشكل عبئاً مادياً على المربين الشباب. أيضاً، نواجه أحياناً نقصاً في الوعي الجوي؛ فإطلاق الحمام في طقس سيئ قد يؤدي لفقدان طيور غالية. ومن أكبر المشاكل “الصيد الجائر”؛ حيث يقوم البعض باصطياد الحمام أثناء السباقات، وهذا يدمر مجهود سنوات نحن في الاتحاد نحاول توفير الدعم الفني وتقليل هذه المشكلات من خلال التوعية وتطوير أنظمة الحماية، لأن الحفاظ على هذه الرياضة هو حفاظ على ثروة قومية.
كيف بدأت علاقتك الشخصية بهذا العالم؟ وهل أثرت هذه الهواية على حياتك الأسرية؟
علاقتي بالحمام بدأت وأنا طفل في التاسعة من عمري، كانت “حب من أول نظرة”. الحقيقة أن أولادي عانوا معي في البداية لأن هذه الهواية “تسرق الوقت” وتتطلب تفرغاً تاماً لمتابعة التدريبات والصحة والتغذية. لكن مع الوقت، أصبحوا فخورين بما نحققه. لقد شاركنا في سباقات خارج مصر ورفعنا علم بلادنا، ولدينا الآن متسابقون مصريون محترفون يخشاهم أبطال العالم، وهذا هو العوض الجميل عن كل وقت بذلناه.
الشباب هم عصب أي رياضة.. كيف تنجحون في جذب “جيل التكنولوجيا” لهواية تتطلب صبراً طويلاً؟
نحن نتحدث مع الشباب بلغتهم؛ نستخدم السوشيال ميديا لنشر فيديوهات السباقات المثيرة، وننظم مسابقات قصيرة وسهلة ليشعروا بمتعة الفوز سريعاً. كما نقدم ورش عمل لتعليم التربية بأسلوب علمي حديث، ونستخدم أنظمة التوقيت الإلكتروني لربط الهواية بالتكنولوجيا. الأهم من ذلك، نحن نصدر لهم “نماذج ناجحة” من مربين شباب حققوا ثروات وشهرة من خلال بيع سلالاتهم أو الفوز ببطولات. نحن لا نعلمهم تربية الحمام فقط، بل نعلمهم “الانتماء” والمنافسة الشريفة، ونحول وقت فراغهم إلى مشروع بناء لشخصيتهم.
بصفتك رئيساً للاتحاد وخبيراً في هذا المجال.. ما هي “الروشتة” التي تقدمها لكل شاب يطمح في دخول عالم الحمام الزاجل ويحلم بالوصول للعالمية؟
نصيحتي لكل شاب يبدأ اليوم هي “الصبر ثم الصبر”، فرياضة الزاجل لا تعترف بالنتائج السريعة، بل هي نتاج تعب ومثابرة. أولاً، يجب أن تبدأ بسلالة نقية ومن مصدر موثوق، لأن “الأصل” هو الذي يظهر في المسافات الطويلة. ثانياً، اهتم بنظافة “الغية” وصحة الطير قبل تفكيرك في السباق، فالحمامة المريضة لن تخذل صاحبها فقط بل قد تضيع في الطريق. ثالثاً، لا تتوقف عن التعلم؛ اقرأ في علم الوراثة، وتابع أحوال الطقس، وتعلم كيفية قراءة “عين وجناح” الطير. وأخيراً، اجعل علاقتك بحمامك قائمة على “الحب والارتباط” وليس مجرد التجارة؛ فالحمام الزاجل طائر وفيّ جداً، وهو لا يعود لمسكنه من أجل الطعام، بل يعود لأنه يشعر بالأمان في المكان الذي أحبه وصاحبه الذي اعتنى به. إذا أتقنت هذه القواعد، أعدك بأنك ستجد اسمك يوماً ما محلقاً في سماء البطولات الدولية.












