تقرير – مايا حسن، دميانة ميلاد، كاترين وجيه
في مدينة تتحدث جدرانها عن تاريخ متراكم، وتكوّنت ملامحها من حضارات تركت أثرها ولم ترحل، يقف المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية شاهدًا بالغ العمق على تلاقي الحضارات لا تصادمها، وعلى الامتزاج الثقافي كقيمة إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان.
الإسكندرية، التي وُلدت مدينة «كوزموبوليتانية» منذ لحظتها الأولى، لم تكن يومًا ساحةً لحضارة واحدة، بل فضاءً مفتوحًا لإعادة تشكيل المعنى عبر الزمن. ويأتي المتحف اليوناني الروماني بوصفه الامتداد الطبيعي لهذه الهوية المركبة؛ فهو في جوهره، ليس مبنى يضم قطعًا أثرية صامتة، بل سجل بصري لذاكرة ممتدة، يكشف أن الحضارة الفرعونية لم تنتهِ بسقوط دولة أو تغيّر نظام حكم، بل أعادت إنتاج ذاتها داخل أجساد حضارات لاحقة.
هنا، لا يبدو التاريخ خطًّا مستقيمًا ذا بداية ونهاية، بل مسارًا دائريًا تتقاطع فيه الرموز والأفكار والعقائد، ليؤكد أن ما يُظن نهايةً قد يكون، في جوهره، بداية أخرى.
وعلى خلاف التصور الشائع بأن الحضارات تتراجع لتُفسح المجال لحضارات جديدة، يقدّم المتحف اليوناني الروماني قراءة مغايرة؛ إذ يبرهن أن الحضارة المصرية القديمة لم تُمحَ، بل تسللت بهدوء إلى تفاصيل الفن اليوناني والروماني، من الوقفة والملامح إلى الرمزية والدلالة. وكأن مصر القديمة لم تغادر المشهد التاريخي، بل أعادت الظهور في صورٍ وأقنعة فنية جديدة.
وتعود الجذور التاريخية لإنشاء المتحف إلى عام 1891م، حينما تبلورت رؤية عالم الآثار الإيطالي«جوزيبي بويت» في ضرورة تخصيص فضاء متحفي يحتضن الاكتشافات الأثرية التي كُشف عنها في مدينة الإسكندرية؛ وذلك بهدف صون تاريخها الثقافي وحمايته من الضياع. وتجسيدًا لهذا التمازج بين الشرق والغرب، شُيّد مبنى المتحف الحالي على طراز المباني اليونانية الكلاسيكية، ليكون وعاءً معماريًا يتناسب مع المحتوى التاريخي الذي يقدمه.
يمتد المتحف عبر مستويات إنشائية منظمة تعكس تطور الفكر المتحفي الحديث، وتتوزع مقتنياته وفق تقسيمات نوعية وتاريخية دقيقة. وبناءً على هذه الرؤية، صُمم الهيكل الداخلي للمتحف ليكون رحلة زمنية متصلة؛ حيث يضم الدور الأرضي 27 قاعة تعرض القطع الأثرية وفق تسلسل تاريخي دقيق يبدأ من عصور ما قبل الإسكندر الأكبر وصولاً إلى العصر البيزنطي، مدعومةً بمرافق تقنية تشمل معامل الترميم والمخازن لضمان استدامة هذه الكنوز.
6 آلاف قطعة أثرية تسرد تفاصيل التاريخ اليوناني والروماني
يخدم هذا التنظيم المعماري في جوهره استعراض 6 آلاف قطعة أثرية تشكل متناً بصرياً يؤكد أن الحضارة المصرية القديمة لم تُمحَ، وهو ما يحول زيارة المتحف من جولة أثرية تقليدية إلى رحلة ذهنية عميقة. إذ يقف كل تمثال شاهدًا على حوار حضاري طويل، وكل كسر أو غياب يحمل دلالة تتجاوز التلف المادي إلى صراعات الأفكار والسلطات والعقائد، حيث تتكلم التماثيل، لا بأصوات مسموعة، بل بما فقدته من ملامح، وما بقي عالقًا فيها من معنى.
بصمات الخلود: كيف أثّرت الحضارة المصرية في الفن اليوناني والروماني؟
وخلال التجول داخل المتحف، لا يكتفي الزائر بمشاهدة تماثيل يونانية ورومانية تقليدية، بل يلاحظ حضورًا فرعونيًا طاغيًا في الملامح والرموز والأسلوب الفني. وكأن الحضارة المصرية القديمة أعادت تشكيل ذاتها داخل قالب يوناني-روماني، في مشهد يؤكد أن التأثر لم يكن سطحيًا أو مؤقتًا، بل عميقًا وجذريًا وصل إلى صميم التعبير الفني.
تظهر ملامح الاقتباس الفرعوني بوضوح في عدد كبير من التماثيل المعروضة داخل المتحف، سواء في الوجه الهادئ الجامد الذي يعكس فكرة الخلود، أو في طريقة نحت العيون الواسعة الثابتة، التي تستدعي مباشرة تماثيل الفراعنة في المعابد والمقابر.
كما يلفت الانتباه استخدام اللحية المستقيمة ذات الدلالة الرمزية المرتبطة بالحكمة والسلطة، وهي عنصر فرعوني خالص انتقل لاحقًا إلى تماثيل الحكام والآلهة في العصرين اليوناني والروماني. ويظهر التأثر أيضًا في الأزياء التي تشبه الملابس الملكية والكهنوتية الفرعونية، فضلًا عن استلهام الرموز الحيوانية المقدسة مثل القط المرتبط بالإلهة باستت، والذئب أو ابن آوى المرتبط بالإله أنوبيس، رمز الحماية والعالم الآخر.
هذا الحضورلا يقتصر على تشابه شكلي، بل يعكس اقتناعًا راسخًا لدى الحضارات اللاحقة بقوة الرمزية المصرية وقدسيتها، وبقدرتها على منح الفن بعدًا يتجاوز الجمال إلى الخلود.
يعود هذا التأثر العميق إلى المكانة الاستثنائية التي احتلتها مصر في العالم القديم، لا سيما بعد تأسيس مدينة الإسكندرية على يد الإسكندر الأكبر، ثم خلال العصر البطلمي، حين تحولت البلاد إلى مركز عالمي للعلم والفلسفة والفنون.
كان اليونانيون ينظرون إلى المصريين القدماء باعتبارهم أصحاب أقدم حضارة منظمة عرفها الإنسان، ومصدرًا للمعرفة الدينية والروحية. ومن هنا، لم يكن تقليد الفن الفرعوني مجرد إعجاب جمالي، بل بحثًا عن الشرعية الحضارية، حيث يمنح الشكل الفرعوني للتمثال إحساسًا بالقوة والاستمرارية والخلود.
وبهذا المعنى، لم تؤثر الحضارة الفرعونية في الفن فقط، بل أسست لذائقة فكرية وجمالية ظلت حاضرة في حضارات البحر المتوسط لقرون طويلة.
أجساد بلا رؤوس
وبين قاعات المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية، تقف التماثيل اليونانية والرومانية صامتة، تحمل على ملامحها آثار غياب لافت؛ رؤوس مفقودة وأنوف مكسورة، كأن الزمن ترك أسئلته منقوشة في الحجر. هذا المشهد يفتح بابًا للتأمل حول ما إذا كان الكسر مجرد فعل الزمن، أم ممارسة مقصودة تحمل دلالات أعمق، تتعلق بالمعتقدات والقوى التي شكلت الحضارات القديمة.
التماثيل التي فقدت رؤوسها، وبقي الجسد وحده شاهدًا على ما كان، تعد من أكثر المشاهد لفتًا للانتباه داخل المتحف، ويرجع ذلك لعدة أسباب تاريخية وفنية، أبرزها أن عددًا كبيرًا منها انتشل من قاع البحر. ويرتبط هذا المشهد بتاريخ الإسكندرية نفسها، المدينة التي شهدت عبر العصور زلازل عنيفة وغرق أجزاء واسعة من سواحلها، ما أدى إلى سقوط معابد وتماثيل كاملة في البحر، ومع مرور الزمن تآكلت بعض الأجزاء أو تحطمت، وكانت الرؤوس أكثر عرضة للفقدان نظرًا لضعف اتصالها بالجسد مقارنة بالكتلة الرئيسية للتمثال.

على الجانب الآخر، يعاني عدد كبير من التماثيل الفرعونية من فقدان الأنف تحديدًا، وهو ما أثار تساؤلات تاريخية وفكرية عديدة. فوفق المعتقدات المصرية القديمة، كان التمثال يُنظر إليه باعتباره كيانًا حيًا يحمل روح صاحبه أو رمزيته، وكان الأنف يمثل مصدر النفس والحياة. لذلك، كان كسر الأنف فعلًا متعمدًا يُستخدم لإبطال قوة التمثال أو لإهانة صاحبه، خصوصًا خلال فترات الاضطرابات السياسية أو التحولات الدينية، ليصبح الكسر ليس مجرد تلف مادي، بل صراعًا مع الرمز والمعنى، يعكس عمق التأثير الروحي للفن المصري القديم.
قراءة علمية: التمثال بين العقيدة والسلطة
وفي هذا الإطار، تقدم الدكتورة هند عاطف، أستاذ التاريخ القديم يوناني روماني بجامعة عين شمس، قراءة علمية متعمقة تكشف من خلالها عن التشابهات الفكرية والدينية بين الحضارات المصرية واليونانية والرومانية، وكيف انتقلت فكرة «روح التمثال» وتأثيره من مصر القديمة إلى العالم الكلاسيكي، لتؤكد أن الفن لم يكن يومًا معزلًا عن العقيدة أو السلطة، بل كان جزءًا لا يتجزأ من منظومة التفكير الروحي والسياسي.
أوضحت «عاطف»، أن فقدان الرؤوس أو الأنوف في التماثيل اليونانية والرومانية له أكثر من تفسير، ولا يمكن حصره في سبب واحد. إذ أنه في بعض الحالات كان التلف ناتجًا عن عوامل طبيعية مثل التعرية أو الكسر أثناء النقل أو الدفن، لكن في حالات أخرى كان متعمّدًا، إذ اعتقد القدماء أن الرأس أو الأنف يحملان الروح أو القدرة الرمزية للتمثال، وكان كسرهما وسيلة لتعطيل القوة الدينية أو السياسية التي يمثلها التمثال.
وذكرت أن هذا المفهوم نجده بوضوح في الحضارة المصرية القديمة، حيث كان كسر الأنف يُستخدم كفعل رمزي لإبطال الحياة عن التمثال، وهو ما انتقل لاحقًا إلى الحضارات اليونانية والرومانية.
كما أكدت أن الحضارات القديمة لم تكن معزولة عن بعضها، بل كانت تربطها علاقات ثقافية ودينية واضحة، خصوصًا بعد دخول اليونانيين مصر في العصر البطلمي، مشيرة إلى أن فكرة «روح التمثال» المصرية لم تختفِ، بل أعيد توظيفها داخل الفكر اليوناني والروماني، وهو ما يفسر التشابه في بعض الممارسات رغم اختلاف الخلفية العقائدية.
ولفتت إلى أن التأثر لا يقتصر على الرمزية فحسب، بل يمتد إلى الشكل الفني ذاته. فالتماثيل اليونانية داخل المتحف تظهر بوضوح علامات التأثر بالشكل الفرعوني، سواء في الوقفة الأمامية المستقيمة، أو في طريقة نحت الجسد ككتلة متماسكة، وحتى بعض النِسَب الفنية الدقيقة. الفنان اليوناني، عند دخوله مصر، لم يتجاهل الحضارة القائمة، بل دمج بين عناصرها وبين الأسلوب الكلاسيكي، لتنتج لوحة فنية متشابكة الأصول والأفكار.
وقالت «عاطف»، إن الحضارة المصرية كانت واحدة من أكثر الحضارات تأثيرًا في العالم القديم، ليس فنيًا فحسب، بل دينيًا وفكريًا أيضًا، مضيفة أن اليونان استمدت من مصر علومًا وفنونًا وطقوسًا دينية، والرومان بدورهم نقلوا هذا الإرث إلى الحضارة الكلاسيكية، لتصبح مصر مركزًا ثقافيًا وعلميًا عالميًا، ولا يزال تأثيرها حاضرًا في المتاحف حول العالم حتى اليوم.
فيما أكدت أن إعادة قراءة الآثار من هذه الزوايا ضرورية لفهم التاريخ بشكل أعمق. فكل قطعة أثرية هي نتيجة تفاعل حضارات، وفهم التاريخ الحقيقي يبدأ عندما نرى العلاقات والتأثيرات المتبادلة، لا عندما نفصل الحضارات كما لو كانت جزرًا مستقلة، بل كشبكة مترابطة من الرموز والمعاني والفن.
ومن زاوية غير مرئية، يكشف المتحف اليوناني الروماني أن التاريخ لا يُكتب بالنقوش وحدها، بل بالأجساد الناقصة والملامح المكسورة. فكل تمثال بلا رأس، وكل تمثال بلا أنف، يحمل قصة عن سلطة أو عقيدة أو صراع، أو حتى محاولة متعمدة لمحو الذاكرة.
زيارة المتحف هنا ليست مجرد جولة بين آثار، بل رحلة لفهم كيف انتقلت الروح المصرية القديمة عبر الزمن، وكيف ظل تأثيرها متغلغلًا في فنون وثقافات مختلفة. وبين التماثيل المقتبسة والقطع الناقصة، تتجلى حقيقة واحدة لا تقبل الشك: الحضارة التي سبقت الزمن لا تموت، بل تتخفّى داخل غيرها، وتواصل الحياة.










