حوار-مايا حسن/عمر حاتم/رزان دهمش
بين دفء الإنسانية ودقة التكنولوجيا يطل علينا مشروع ” كوزموس بيونيكس ” كمنارة تعيد رسم خارطة الأمل لملايين المصابين بالشلل حول العالم، بقيادة الدكتور مينا أشرف، يطل علينا هذا الابتكار المصري ليس كآلة صماء تحرك الأطراف ميكانيكياً، بل كأداة ذكية تدمج الجسد بالعقل في تناغم فريد؛ تهدف في جوهرها إلى إعادة تدريب الجهاز العصبي على استعادة أنماط الحركة الطبيعية التي سلبها المرض أو الحوادث، لتثبت أن العجز ليس قدراً محتوماً في عصر الروبوتات الطبية.
في عالم “ كوزموس “، كل خطوة يخطوها المريض ليست مجرد تنقل جسدي من نقطة إلى أخرى، بل هي رحلة استثنائية تمزج بين صمود الإرادة الإنسانية وأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا المتطورة، ما يميز هذا الجهاز عن غيره هو فلسفة تصميمه؛ حيث يأتي بخفة وزن قياسية تنافس الأنظمة العالمية وتتفوق عليها في سلاسة الاستخدام، مما يمنح المستخدم حرية الحركة والقدرة على الوقوف مجدداً داخل أروقة مراكز التأهيل، بل ويمتد الطموح ليصل بها إلى عتبات المنازل لتمكين المريض من ممارسة حياته اليومية باستقلالية لم تكن تخطر على بال.
السر يكمن في “العصب الرقمي” للجهاز، حيث زُوّد بمحركات متناهية الدقة وحساسات ذكية تعمل كعين لا تنام، تراقب توازن الجسم وتوزيع الوزن لحظة بلحظة. وبدلاً من الاعتماد على أزرار التحكم المعقدة التي قد تعيق انسيابية التجربة، يستجيب جهاز “الإكسوسكلتون” مباشرة للغة الجسد؛ فميلٌ بسيط للأمام يترجمه الجهاز فوراً كأمرٍ لبدء المشي، بينما الوقوف المستقيم يعني التوقف، مما يخلق تجربة شعورية ونفسية تجعل المريض يشعر وكأن الجهاز جزء لا يتجزأ من كيانه البيولوجي.
ولأن التميز الحقيقي يسكن في أدق التفاصيل، لم يغفل الدكتور مينا أشرف وفريقه الجانب التحليلي؛ حيث يرتبط الجهاز بتطبيق ذكي فائق التطور يمثل حلقة الوصل بين المريض والطبيب. هذا التطبيق يمنح أخصائيي العلاج الطبيعي “مختبراً متنقلاً” لضبط سرعة المشي، طول الخطوة، ونمط التدريب بما يتوافق مع استجابة كل حالة على حدة. إنها عملية “إعادة تأهيل مخصصة” تحفز الذاكرة العضلية والعصبية، وتؤكد أن الابتكار المصري لا يكتفي بمجرد الوجود، بل يسعى لاعتلاء منصات المنافسة العالمية بجدارة.
إن ما يحققه “Cosmos Bionics” يتجاوز حدود الهندسة والطب؛ إنه أحد الجوانب المضيئة والمميزة التي تبحث عنها مجلة “سكوب“ دائماً. حيث تتحول التكنولوجيا من مجرد “تروس ومحركات” إلى “أمل يمشي على قدمين”، محطمةً جدران اليأس ومشرعةً أبواب المستقبل أمام جيل جديد من التقنيات التي تخدم الإنسان وتصون كرامته الحركية.
مجلة “سكوب“ التقت الدكتور مينا أشرف، العقل المدبر خلف هذا المشروع الطموح، في حوارٍ خاص في كواليس التطوير، واستعرض أصعب التحديات التي واجهت ولادة هذا الحلم، وبحث في آفاق مستقبل تقنيات الـ Exoskeleton التي تعد بتغيير جودة حياة المرضى واستعادة استقلاليتهم المسلوبة إلى نص الحوار…
في البداية.. حين نتحدث عن “كوزموس بيونيكس” (Cosmos Bionics) فنحن نتحدث عن حلم تحول لواقع. كيف تُعرّف هذا الكيان لمن لا يعرف حجم التحدي خلف الكواليس؟
أنا و(كوزموس بيونيكس) أصبحنا كياناً واحداً، فهذا المشروع ليس مجرد عمل، بل هو جزء أساسي من تكويني وحياتي اليومية. ما لا يراه الناس خلف بريق النجاح هو حجم العمل الشاق الذي يجري في الخفاء؛ فنحن لا نعمل في إطار طبي بحت، بل إن المشروع هندسي في جوهره، وهو ما فرض عليّ تحدياً استثنائياً للتحرك بمرونة بين دور الطبيب الذي يفهم آلام المريض، ودور المهندس الذي يبحث عن حلول تقنية دقيقة. الرحلة كانت شاقة ومكلفة للغاية، ليس فقط على المستوى المادي، بل من حيث الضغط النفسي وعِظم المسؤولية، وكثرة التجارب القاسية التي سبقت أي نجاح حقيقي نراه اليوم.
مع نجاح جهاز الـ (Exoskeleton)، هل بدأت كوزموس في التفكير بابتكارات أخرى، أم أن التركيز لا يزال منصباً على تطوير الهيكل الحالي؟
في الوقت الحالي، كل ذرة من تركيزنا موجهة بالكامل لتطوير جهاز الـ (Exoskeleton) هذا النوع من التكنولوجيا ليس مجرد منتج يُباع، بل هو نظام معقد يحتاج إلى سنوات من البحث والتجارب المستمرة، خاصة وأننا نتعامل مع الجهاز العصبي البشري، وهو أكثر المجالات حساسية وتعقيداً. لا يمكننا الانتقال لمشاريع أخرى قبل الوصول بهذا الجهاز إلى أعلى مستويات الكفاءة والأمان الفائق؛ فالهدف هو الوصول لمنتج لا تشوبه شائبة قبل التوسع في آفاق تكنولوجية جديدة.
هناك مفهوم شائع بأن الجهاز يحرك المريض فقط.. هل يمنحه استقلالاً حقيقياً أم يظل المريض أسيراً للدعم التقني والطبي الدائم؟
الجهاز يساعد المريض على الوقوف والمشي فعلياً، لكن الأمر أعمق بكثير من الصورة الميكانيكية البسيطة. نحن لا نسعى لمجرد تحريك الجسد كآلة، بل إن هدفنا الأساسي هو “إعادة تدريب المخ”. في المراحل الأولى، لابد من إشراف طبي كامل لأننا نقوم بإعادة تعليم الجهاز العصبي كيفية استعادة مهارة الحركة من جديد. الاستقلال الحقيقي يأتي حين يبدأ المخ في استعادة شفراته الحركية، ليصبح الجهاز شريكاً في الحركة وليس مجرد بديل عنها.
هل يعتبر جهاز كوزموس حلاً سحرياً لجميع حالات الشلل، أم أن هناك معايير محددة للاستفادة منه؟
الأمانة العلمية تقتضي القول بأنه ليس كل المرضى مؤهلين لاستخدام الجهاز فوراً. كل حالة تخضع لبروتوكول تقييم منفصل ودقيق، يعتمد على الوضع العصبي والعضلي الحالي، ومدى قدرة المخ على الاستجابة للإشارات العصبية المرتدة. بناءً على هذه المعايير التقنية والطبية، نحدد ما إذا كان الجهاز سيشكل إضافة حقيقية للحالة، أم أن المريض يحتاج لتهيئات أخرى قبل البدء في استخدام “الإكسوسكلتون”.
كم عدد الحالات التي تأقلمت بالفعل مع الجهاز؟ وهل التحسن الذي يلمسه المريض حقيقي ومثبت علمياً أم مجرد “دفعة معنوية”؟
لدينا عدد من الحالات التي نجحت بالفعل في التأقلم التام مع الجهاز، ومع الاستمرار في التدريب المكثف، رصدنا تحسناً تدريجياً مذهلاً في الأداء الحركي و أؤكد لكِ أن هذا التحسن ليس مجرد إحساس نفسي أو وهم بالشفاء، بل هو نتيجة مباشرة لعملية “إعادة تنشيط” خلايا المخ وتدريبه على المشي كمهارة مكتسبة مرة أخرى. مع الوقت، نرى الاستجابة العصبية تصبح أكثر وضوحاً وثباتاً، مما ينعكس على توازن المريض وقدرته الحركية حتى في أوقات عدم ارتداء الجهاز.
كيف تقيسون “ترمومتر” النجاح في تجربة المريض؟ ما هي المؤشرات التي تقولون عندها أننا حققنا الهدف؟
تقييم النجاح يتم عبر مصفوفة من المؤشرات العلمية؛ أولها مدى استجابة المخ للإشارات العصبية المرتدة، وثانيها تحسن التوازن الحركي العام، وقدرة المريض على التحكم في خطواته بشكل أفضل بمرور الوقت. نحن لا نترك الأمر للصدفة، فكل مرحلة تخضع لتقييم طبي مستمر وقياسات دقيقة للنتائج، ولا ننتقل لخطوة متقدمة إلا بعد التأكد من أن المريض قد استوعب المرحلة السابقة عصبياً وجسدياً.
في “سكوب” نبحث دائماً عن “الزوايا التي لا تُرى”.. ما هو الجانب الخفي في تجربة “كوزموس بيونيكس” الذي لا تظهره الصور؟
الزاوية غير المرئية هي “العبء التدريبي” والمسؤولية الضخمة الملقاة على عاتقنا. نحن لم نكتفِ بتطوير جهاز، بل قمنا بتدريب عشرات الأطباء على كيفية التعامل مع هذه التكنولوجيا؛ لأن تدريب الطبيب هو الخطوة الأصعب والأهم لضمان أمان المريض. المريض يدخل التجربة غالباً وهو محمل بمزيج من الخوف والتوتر والآمال المعلقة، لذا فإن الجانب النفسي والتدريب الطبي المتخصص هما الجنديان المجهولان في نجاح هذه المنظومة.
يلاحظ البعض انتشار هذه التقنيات خارج مصر بشكل أوسع.. ما هي العوائق التي تمنع وجودها في كل مركز طبي محلي حالياً؟
استخدام “الإكسوسكلتون” يتطلب بيئة طبية ذات مواصفات خاصة وبنية تحتية تقنية دقيقة، بالإضافة إلى كوادر طبية مدربة خصيصاً على هذا النوع من التأهيل العصبي. هذه البيئة متوافرة حالياً في الخارج بشكل أكثر تنظيماً، لكننا نعمل جاهدين لتغيير هذا الواقع. ومع التطور الذي تشهده البنية التحتية الطبية في مصر حالياً، أتوقع وبكل ثقة أن يتوسع استخدام الجهاز محلياً بشكل كبير خلال الفترة المقبلة ليصبح متاحاً لكل من يحتاجه.
لكل رحلة ابتكار لحظة انكسار أو تحدٍ صارخ.. ما هي أصعب اللحظات التي مرت عليك خلال رحلة تطوير كوزموس؟
أصعب اللحظات هي تلك التي تفشل فيها تجربة تقنية بعد شهور من السهر والعمل المتواصل. في تلك اللحظات، تشعر بثقل مسؤولية لا يوصف؛ لأنك لا تتعامل مع “تروس وحديد” بل تتعامل مع “أمل بشر”. الفشل هنا ليس مجرد خطأ تقني يمكن تجاوزه، بل هو تجربة إنسانية قاسية تجعلك تشعر بآلام المرضى الذين ينتظرون منك طوق نجاة. لكن، وعلى قدر قسوة هذه اللحظات، كانت هي الدافع والمحرك الأكبر لنا لنستمر ونطور ونصحح المسار حتى نصل للنجاح.
كيف يرسم الدكتور مينا أشرف مستقبل تقنيات الـ (Exoskeleton) في علاج الشلل خلال العقد القادم؟
واعد جداً، لكنه يحتاج لصبّر وعلم. التطور الحقيقي لن يكون في جعل الجهاز أقوى ميكانيكياً فحسب، بل في دمجه بشكل أعمق مع “الذكاء الاصطناعي” وفهم أسرار المخ البشري. أرى أن هذه الأجهزة ستتحول من مجرد “تجارب رائدة” إلى جزء أساسي ولا يتجزأ من بروتوكولات التأهيل العصبي في كل المستشفيات. نحن نطمح لأن يصبح الجهاز ذكياً لدرجة أنه يقرأ أفكار المريض ويحولها لخطوات، ليتحول “الإكسوسكلتون” من وسيلة دعم إلى “جزء تعويضي” حي يعيد للإنسان كرامته الحركية.









