تقرير:روضة طارق – حبيبة احمد سعد
في ظل تصاعد التحديات التي تواجه قطاع الزراعة في مصر، لم يعد الحديث عن هذا القطاع الحيوي يقتصر على كونه أحد أعمدة الاقتصاد التقليدية، بل بات في صميم معادلة الأمن القومي والغذائي للدولة، خاصة مع تزايد الضغوط المرتبطة بندرة الموارد المائية، والتغيرات المناخية، والنمو السكاني المتسارع. وبينما تتعاظم هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم الزراعة ذاته، والانتقال به من نمط تقليدي قائم على الممارسات المتوارثة إلى نموذج حديث يعتمد على التكنولوجيا والابتكار وتعظيم كفاءة الموارد.
هذا التحول لم يعد خيارًا ترفيهيًا أو مسارًا طويل الأجل يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة تفرضها معطيات الواقع، في ظل محدودية الأراضي القابلة للزراعة وثبات الحصة المائية، وهو ما يدفع الدولة إلى تبني سياسات أكثر مرونة وابتكارًا، تستهدف تحقيق التوازن بين زيادة الإنتاجية والحفاظ على الموارد. وفي هذا السياق، تتقاطع جهود تطوير نظم الري، والتحول الرقمي، واستنباط سلالات زراعية أكثر تحملاً للظروف البيئية القاسية، مع توجهات أوسع لتعزيز الاستدامة وتقليل الفاقد.
ولا تقف التحديات عند حدود الإنتاج الزراعي فقط، بل تمتد إلى كيفية إدارة المخلفات الزراعية وتعظيم الاستفادة منها، في ظل ما تمثله من عبء بيئي إذا أسيء التعامل معها، ومن فرصة اقتصادية واعدة إذا أُحسن توظيفها. فملفات مثل قش الأرز لم تعد مجرد قضية موسمية مرتبطة بالحرق والتلوث، بل تحولت إلى محور رئيسي في نقاشات التنمية المستدامة، بما تحمله من إمكانات كبيرة لإنتاج الطاقة، والأعلاف، والمواد الصناعية ذات القيمة المضافة.
وفي خضم هذه التحولات، يبرز دور البحث العلمي والخبرات الأكاديمية كركيزة أساسية لصياغة حلول واقعية قابلة للتطبيق، تربط بين الرؤية الاستراتيجية واحتياجات المزارع على الأرض. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في امتلاك المعرفة أو التكنولوجيا، بل في القدرة على نقلها وتبسيطها وتعميمها، خاصة لدى صغار المزارعين الذين يمثلون العمود الفقري للقطاع الزراعي في مصر.
من هنا، تتجه الأنظار إلى نماذج مبتكرة تجمع بين الإدارة الرشيدة للموارد، والتكامل المؤسسي، والاستفادة القصوى من كل مدخلات العملية الزراعية، بما في ذلك المخلفات، في محاولة لإعادة صياغة مستقبل الزراعة المصرية على أسس أكثر استدامة وكفاءة. وفي هذا الإطار، يقدم عدد من الخبراء والمتخصصين رؤى متعمقة حول ملامح هذا التحول، والتحديات التي تواجهه، والفرص الكامنة داخله.
فى هذا السياق قال الدكتور علاء البابلي إن مستقبل الزراعة في مصر، رغم ما يواجهه من تحديات هيكلية عميقة، يتجه بوضوح نحو التحول إلى نموذج أكثر كفاءة واستدامة يعتمد على التكنولوجيا والمعرفة، مؤكداً أن الزراعة لم تعد مجرد نشاط تقليدي قائم على الخبرة المتوارثة، بل أصبحت منظومة متكاملة تعتمد على البيانات والتحليل العلمي.
وأوضح البابلي أن الرؤية المستقبلية ترتكز على أربعة محاور رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية عبر مشروعات المعالجة والتحلية، وتطوير الإنتاج الزراعي باستنباط أصناف تتحمل الإجهادات المناخية، وصولاً إلى التحول الرقمي وتحقيق الاستدامة البيئية، مشدداً على أن التحدي الأكبر يكمن في ترجمة هذه الرؤية لواقع ملموس لدى صغار المزارعين.
وأشار الخبير الإقليمي إلى أن سياسات إدارة المياه في مصر شهدت تطورًا نوعيًا، حيث انتقلت من إدارة الأزمات إلى إدارة الموارد بكفاءة عبر أدوات الحوكمة والتكنولوجيا، لافتاً إلى أن التحول إلى نظم الري الحديثة لم يعد “خيارًا” بل صار “ضرورة حتمية” تفرضها محدودية الموارد المائية وتزايد الطلب، حيث تساهم هذه النظم في توفير 40% من المياه وزيادة الإنتاجية.
وذكر البابلي أن هناك معوقات تعيق تعميم تقنيات الري الحديث، صنفها إلى معوقات اقتصادية تتعلق بالتكلفة الأولية، وفنية ترتبط بالبنية التحتية، واجتماعية تتمثل في تمسك البعض بالأساليب التقليدية، داعياً إلى تبني نهج متكامل يجمع بين الدعم المالي والتدريب لتعزيز ثقة المزارعين في التكنولوجيا الجديدة.
دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
وأضاف أن التكنولوجيا الحديثة، مثل الاستشعار عن بُعد والذكاء الاصطناعي، تلعب دورًا محوريًا في ترشيد الاستهلاك عبر تحديد الاحتياجات الفعلية من المياه والأسمدة بدقة، مؤكداً أن دمج هذه الوسائل في الزراعة أصبح شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستدامة وليس مجرد رفاهية.
وعن رؤيته للعقد القادم، أكد البابلي أن أي استراتيجية ناجحة يجب أن تبدأ بتقييم دقيق للوضع الراهن يليه تحليل البدائل بما يتماشى مع رؤية مصر 2030، مع التركيز على أربعة محاور تشمل دعم صغار المزارعين، وتطوير البنية التحتية، وتحديث منظومة الإرشاد، وتعزيز دور التعاونيات الزراعية.
تكامل مؤسسي لمواجهة الأزمة
واختتم الدكتور علاء البابلي حديثه بالإشارة إلى أن أزمة المياه تُعد من أخطر التحديات التي تهدد الأمن الغذائي والإنتاجية، مثمناً خطة الدولة الشاملة لترشيد الاستهلاك عبر التوسع في محطات المعالجة والتحلية. كما أشاد بالتكامل المؤسسي بين وزارتي “الري” و”الزراعة”، حيث تقوم الأولى بتطوير البنية التحتية بينما تتولى الثانية توفير الإرشاد والتقنيات الحديثة، وهو التكامل الذي يضمن الاستخدام الأمثل للمياه وتعزيز الإنتاجية القومية.
ومن جانبه قال الأستاذ الدكتور عبد المنعم نصر إن هناك بعض الجهات تروج لاستخدام قش الأرز كبديل لتغذية الحيوانات بدلاً من حرقه، معتبراً أن هذا التوجه يمثل “خطراً كبيراً وإهداراً للثروة الحيوانية” إذا لم يتم التعامل معه بأسلوب علمي صحيح، وأوضح أن تغذية الحيوانات المجترة تعتمد على نظام دقيق يحلل الألياف الطبيعية داخل “الكرش” لتحويلها إلى طاقة، وهو ما لا يتوفر في قش الأرز بصورته الخام.
وأشار د. نصر إلى أن قش الأرز مادة “ملجننة” تحتوي على مركب اللجنيين الذي يمنع الإنزيمات من تحليل الكربوهيدرات، مما يجعل القش يتحول داخل جسم الحيوان إلى مجرد “مادة مالئة” تعطي إحساساً كاذباً بالشبع دون أي قيمة غذائية، وأضاف أن الحيوانات المجترة لا تمتلك الإنزيمات اللازمة لتكسير هذه الروابط الصلبة، مما يجعل القش يظل كتلة صلبة داخل الكرش “أشبه بالكتلة الخرسانية”.
ابتكار “هولوفيد” كحل علمي
وفي سياق الحلول، قال الدكتور عبد المنعم نصر إن البحث العلمي نجح في تحويل قش الأرز إلى مادة علفية قابلة للهضم أطلق عليها اسم “هولوفيد”، وهي مادة توفر الطاقة اللازمة للنمو وتساعد في سد الفجوة العلفية، وأكد أن الاستفادة من المخلفات الزراعية أصبحت ضرورة حتمية لمواجهة محدودية الأراضي الزراعية وزيادة عدد السكان، لكنه شدد على أن استخدامها المباشر يمثل تحدياً للطبيعة ويحتاج إلى معاملات ميكانيكية وكيميائية وبيولوجية لتصبح صالحة للاستفادة.
محاور الاستفادة الاقتصادية
واستعرض د. نصر المحاور الرئيسية لتحقيق أقصى استفادة من قش الأرز، حيث يرتكز المحور الأول على فصل ستة مكونات أساسية ذات قيمة عالية وهي (الدهون، اللجنيين، الهولوسليلوز، السليلوز، الهيميسليلوز، والسيليكا)، بينما يركز المحور الثاني على التغذية الآمنة، والمحور الثالث على إنتاج لب الورق ومعالجة “السائل الأسود”، وأضاف أن قش الأرز يمثل مصدراً هاماً لإنتاج “الإيثانول الحيوي” كطاقة بديلة تساهم في تقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.
صناعات كيماوية وقيمة مضافة
وأشار إلى الأهمية الكبيرة للسليلوز المستخرج من القش، حيث يدخل في صناعات البلاستيك، والأفلام، والدهانات، وحتى حفر آبار البترول، ومن جانبه لفت إلى أن المكونات الأخرى مثل “اللجنيين” تُستخدم في صناعة البطاريات وتحسين خصوبة التربة، بينما تُستخدم الدهون والشموع في المستحضرات الدوائية والتجميلية، وأكد أن هذه التطبيقات تخلق قيمة اقتصادية مضافة وتوفر بدائل محلية تقلل من الاستيراد.
واختتم الدكتور عبد المنعم نصر حديثه بالتأكيد على أن قش الأرز ثروة حقيقية غير مستغلة بالشكل الكافي، مشيراً إلى أن تطبيق هذه المحاور بشكل منظم سَيُحول هذا العبء البيئي إلى مصدر دخل قومي يدعم الاقتصاد المصري ويحقق الاكتفاء في قطاعات حيوية متعددة.











