Home / VAR / ناشئو الشطرنج في مصر بين أمواج الموهبة وحصار التمويل والدعم المؤسسي

ناشئو الشطرنج في مصر بين أمواج الموهبة وحصار التمويل والدعم المؤسسي

تحقيقمؤمن عبد الحميد/عمر حاتم

في قاعاتٍ هادئة تخلو من الضجيج، وعلى رقعةٍ لا تتجاوز مساحتها بضعة سنتيمترات، تُدار معارك فكرية قد لا تقل ضراوة عن أي مواجهة رياضية أخرى. لعبة الشطرنج في مصر لم تعد مجرد هواية نخبوية، بل مساحة تتشكل فيها عقول ناشئة، وتُصقل فيها مهارات الصبر والتخطيط واتخاذ القرار. وبين مواهب صغيرة تكبر سريعًا، ومدربين يسعون إلى بناء منظومة متكاملة، تتكشف ملامح مشهد الشطرنج المصري بخطوة ثابتة نحو التطور.

هذا المشهد الهادئ ظاهريًا يخفي وراءه صراعًا من نوع مختلف؛ صراعًا مع الزمن، ومع الخطأ، ومع الذات قبل الخصم. فالشطرنج لا يمنح لاعبه رفاهية التراجع أو الاحتماء بالحظ، بل يضعه وجهًا لوجه أمام نتيجة كل قرار يتخذه. من هنا، تتجاوز اللعبة كونها نشاطًا ذهنيًا إلى كونها مدرسة غير معلنة في الانضباط وتحمل المسؤولية، وهو ما يفسر إقبال كثير من الأسر على توجيه أبنائها نحوها بحثًا عن بناء عقل متزن قبل تحقيق ميدالية أو تصنيف.

في السنوات الأخيرة، بدأت خريطة الشطرنج في مصر تشهد تحولات لافتة. أكاديميات تنتشر بوتيرة أسرع، وناشئون يظهرون بمستويات تفوق أعمارهم السنية، وبطولات محلية أصبحت أكثر انتظامًا، إلى جانب انفتاح متزايد على منصات اللعب والتدريب الرقمية. ورغم أن اللعبة لا تزال تعاني من ضعف الانتشار الجماهيري مقارنة برياضات أخرى، فإنها تشق طريقها بثبات، معتمدة على جودة الموهبة أكثر من ضجيج الأضواء.

غير أن هذا التطور لا يخلو من تحديات، أبرزها غياب التنسيق المؤسسي الكامل، وتفاوت مستويات الدعم، وصعوبة الاحتكاك الدولي المنتظم. وبين طموحات لاعبين شباب يسعون لتثبيت أقدامهم، ومدربين يعملون في ظروف ليست مثالية، تتشكل معادلة معقدة: إمكانيات حقيقية في مقابل واقع يحتاج إلى تنظيم ورؤية طويلة المدى.

الناشئينبين الموهبة وبناء المنظومة

في قلب هذه المعادلة، يبرز اسم د. محمد فاروق فريد، دكتور الهندسة الوراثية، الذي بات حكمًا ومدربًا مُعترفًا به دوليًا، وأحد الأصوات التي تنظر إلى الشطرنج بوصفه مشروعًا متكاملًا لصناعة الإنسان قبل اللاعب. ومن خلال رؤيته، إلى جانب شهادات لاعبين ناشئين وتجارب دولية مختلفة، يحاول هذا التقرير الاقتراب من واقع الشطرنج في مصر اليوم، رصدًا لمستوى الناشئين، ودور الأكاديميات، وأثر التكنولوجيا، وحدود الحلم الممكن في لعبة تُدار أعظم معاركها في صمت.

تحدث د. محمد مع «سكوب» عن تقييمه لمستوى الناشئين في مصر، مؤكدًا أن «الصورة العامة تحمل كثيرًا من التفاؤل»، ومشيرًا إلى أن المستوى الحالي «مبشّر جدًا ويتطور بسرعة». ولفت إلى أن تميّز الشطرنج عن غيره من الرياضات يكمن في استقلالية اللاعب؛ إذ لا يتدخل المدرب أثناء اللعب، بل يترك الطفل يواجه قراراته وحده، ثم يبدأ دور التوجيه بعد انتهاء المباراة عبر تحليل الأخطاء وتصحيح المسار.

هذا الأسلوب، بحسب د. محمد، يسهم في صناعة لاعبين قادرين على الاعتماد على النفس، ويعزز لديهم حس المسؤولية منذ سن مبكرة، مؤكدًا أن مصر تمتلك عناصر فعالة للغاية، وأنها تضم أكبر المواهب على مستوى أفريقيا والوطن العربي.

وعلى صعيد الأكاديميات، يرى د. محمد أن البنية الأساسية متوفرة إلى حد كبير، سواء من حيث عدد المدربين أو المناهج أو الأدوات التدريبية. فالمنهج الشطرنجي عالمي ومتاح، ويضمن مواكبة التطورات الدولية، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في مواءمته مع العقلية المصرية. فالشطرنج، كما يصفه، منظومة متكاملة لا يمكن أن تزدهر بالجهود الفردية فقط، بل تحتاج إلى تنسيق أعمق بين الاتحاد المصري للشطرنج، والأكاديميات، ووزارة الشباب والرياضة، حتى تتحول المبادرات المتفرقة إلى مشروع وطني منظم.

البطولاتبوابة النضج الحقيقي

يمثل الاستعداد للمباريات أحد أكثر الجوانب دقة في مسيرة لاعب الشطرنج. فقبل أي مواجهة، يبدأ اللاعب بمراجعة الافتتاحيات التي اعتاد اللعب بها، ثم ينتقل إلى حل الألغاز التكتيكية لتنشيط الذهن. ولا يقل الاهتمام بالتغذية والنوم أهمية عن التدريب نفسه، إذ شدد د. محمد على ضرورة تناول الطعام قبل المباراة بساعتين، حتى يتركز الدم في المخ، مؤكدًا أن الأكل مباشرة قبل اللعب ليس مطلوبًا، لأن التركيز هو الفيصل الحقيقي في الأداء.

وتُعد البطولات المساحة الأهم لاختبار ما يتعلمه الأطفال داخل الأكاديميات، حيث تتيح لهم تطبيق المعرفة النظرية عمليًا، والتعلم من التجربة والخطأ. ويرى د. محمد أن البطولات لا تشتت اللاعبين كما يعتقد البعض، بل على العكس، تساعدهم على تثبيت مهاراتهم وبناء خبرة لا يمكن تعويضها داخل قاعات التدريب المغلقة.

وأشار إلى تحسن واضح في المستوى التعليمي للمدربين خلال السنوات الأخيرة، مع وجود دورات منتظمة تُعقد كل عامين، ودعم أكبر من الاتحاد مقارنة بالماضي. ومع ذلك، أكد أن توحيد المناهج التدريبية يظل خطوة محورية، إذ إن اتفاق الأكاديميات والاتحاد على منهج ثابت يمكن أن يحدث فارقًا كبيرًا في تطوير اللاعبين وبناء أجيال أكثر استقرارًا فنيًا.

ومن بين الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الأطفال، ذكر د. محمد التسرع وحب لمس القطع دون حساب دقيق. فالشطرنج في جوهره لعبة تفكير هادئ، ولهذا تترسخ قاعدة أساسية في التدريب: «المس حركة محسوبة». ورغم ثبات القواعد الأساسية للعبة، فإن اختلاف أزمنة اللعب بين الشطرنج الكلاسيكي والسريع والخاطف يفرض على اللاعبين أنماطًا مختلفة من التفكير وإدارة الوقت.

وفي جدلية الموهبة والعمل، أكد د. محمد أن الموهبة تمنح اللاعب بداية أسرع، لكنها لا تكفي لصناعة لاعب حقيقي. فالاعتماد على الموهبة وحدها يؤدي غالبًا إلى التوقف عند مرحلة معينة، بينما يكون التفوق من نصيب من يعمل على نفسه بانتظام، ويحلل أخطاءه، ويحوّل كل تجربة إلى خطوة للأمام.

أما تحليل المباريات المسجلة، فيُعد أحد الأعمدة الأساسية في الشطرنج الحديث، إذ تساعد مشاهدة اللاعب لمبارياته السابقة أو لمباريات خصومه على فهم أسلوب اللعب، واكتشاف الأخطاء المتكررة، والاستعداد للمواقف المعقدة قبل مواجهتها على الرقعة.

وفيما يخص الاحتكاك الدولي، تطرق د. محمد إلى محدودية الفرص، موضحًا أن اللاعبين المصريين يحصلون على احتكاك جزئي من خلال بطولات مفتوحة تُقام في القاهرة أو الجيزة أو شرم الشيخ بمشاركة لاعبين من دول مختلفة. غير أن المشاركة في بطولات خارجية تظل مرهونة بالدعم المالي أو بالتمويل الشخصي، إذ يعتمد كثير من اللاعبين على السفر على نفقتهم الخاصة لرفع مستواهم.

وعلى مستوى المبتدئين، يوصي د. محمد بالافتتاح الإيطالي، لكونه بسيطًا وواضحًا، ويعلّم المبادئ الأساسية مثل السيطرة على المركز، وتطوير القطع، وحماية الملك، إلى جانب تقديم مواقف تكتيكية مدروسة تساعد على فهم الهجوم والدفاع تدريجيًا.

كما تناول تأثير الشطرنج الحديث والتكنولوجيا، موضحًا أن محركات التحليل مثل «Stockfish» غيرت ملامح اللعبة جذريًا، عبر كشف أخطاء اللاعبين وعرض أفضل النقلات الممكنة، في حين فتحت منصات اللعب عبر الإنترنت المجال للاحتكاك مع لاعبين من مختلف أنحاء العالم، ما جعل التدريب أسرع وأسهل وأكثر تنوعًا.

مواهب شابة تبحث عن الدعم

ووسط هذا المشهد المتشابك بين الطموح الفردي وحدود الدعم المؤسسي، تتقدم بعض الأسماء الشابة باعتبارها تجسيدًا حيًا لما يمكن أن تصنعه الموهبة حين تجد طريقها إلى الرقعة مبكرًا، حتى وإن افتقدت الطريق الممهد خارجها.

ومن بين هذه الأسماء، نور محمد السيد نموذج لموهبة صاعدة، إذ يمتلك تصنيفًا دوليًا يبلغ 1600 رغم صغر سنه. بدأ تعلقه بالشطرنج في السابعة من عمره، وانضم إلى الأكاديمية عام 2018. وكانت أول بطولة يشارك فيها نقطة تحول حقيقية في مسيرته، حيث علمته قيمة الاحتكاك، وتنظيم الوقت، وزيادة التركيز، وأسهمت في تغيير شخصيته بشكل واضح. ورغم إشادته بتطور تنظيم البطولات، فإنه يؤكد بوضوح أن الدعم المقدم للاعبين المميزين لا يزال أقل من المطلوب.

بالنسبة لنور، لم يكن الشطرنج مجرد لعبة، بل مساحة أعادت تشكيل طريقته في التفكير والتعامل مع الضغوط. فالمباريات، خاصة أمام لاعبين سبق أن خسر أمامهم، تتحول إلى اختبارات نفسية بقدر ما هي فنية، يدير خلالها طاقته الذهنية وفق طبيعة الخصم، ويستمد دافعه من التحدي المباشر، وهو ما يعكس نضجًا يتجاوز عمره الزمني.

وفي حالات الغموض، حين لا يعرف هوية منافسه، يركز نور على الإعداد الذهني والنفسي قبل أي شيء آخر، واضعًا سيناريوهات متعددة للمباراة، ومستعدًا للتعامل مع تغير مجرياتها. هذا الأسلوب يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة الشطرنج كلعبة احتمالات، لا تُحسم فقط بقوة النقلات، بل بالقدرة على التكيف السريع.

ورغم هذا التطور الفني، يظل الجانب المادي عائقًا حاضرًا، إذ يشير نور إلى أن غياب الدعم الكافي يضع اللاعبين الشباب أمام تحديات إضافية تتعلق بالمشاركة في البطولات الخارجية وتكلفة التدريب المستمر. وبين طموح شخصي واضح وواقع يحتاج إلى مساندة مؤسسية أكبر، يقف نور كنموذج لموهبة تبحث عن فرصة عادلة للاستمرار.

أما كارم عوض الله، فقد نشأ في بيت يحب الشطرنج، وتعلم أساسيات اللعبة على يد والده في سن السابعة، قبل أن يلتحق بالأكاديمية لاحقًا. هذه البداية المنزلية غرست لديه ارتباطًا مبكرًا باللعبة، وجعلتها جزءًا من حياته اليومية قبل أن تتحول إلى مسار تدريبي منظم.

وتعكس تجربة كارم واقعًا ماديًا صعبًا يواجهه عدد كبير من اللاعبين الشباب، إذ يؤكد أن الدعم شبه غائب، وأن مكاسب البطولات محدودة لدرجة لا تكفي أحيانًا لتغطية نفقات التدريب أو المواصلات. هذا التناقض بين الجهد المبذول والعائد المحدود يفرض تحديات نفسية إضافية، قد تهدد استمرارية اللاعبين رغم امتلاكهم الموهبة.

ورغم الصعوبات، يواصل كارم تدريباته بدافع الشغف الخالص، معتمدًا على الدعم الأسري أكثر من أي دعم مؤسسي، مشيرًا إلى أن كثيرًا من اللاعبين في مثل سنه يواجهون خيارات صعبة بين الاستمرار أو التراجع بسبب الأعباء المالية، ما يهدد بخسارة مواهب واعدة.

كارل ستراجنوفنموذج دولي من قلب القاهرة

يضيف اللاعب البريطاني كارل ستراجنوف بعدًا دوليًا مختلفًا للمشهد الشطرنجي في مصر. المولود في فرنسا والمقيم حاليًا في القاهرة، شارك في الأولمبياد مرتين ممثلًا لويلز، ويمارس رياضة «بوكسنج شطرنج» التي تجمع بين القوة البدنية والذهنية. ويرى أن انتشار هذه الرياضة في مصر ممكن إذا بدأ الإعداد لها في سن مبكرة، رغم صعوبتها على اللاعبين الكبار.

وتمنحه خبرته الدولية منظورًا خاصًا، إذ يؤكد أن الفارق الحقيقي بين المدارس المختلفة لا يكمن فقط في المهارة الفنية، بل في القدرة على التحكم النفسي تحت الضغط. فالشطرنج، من وجهة نظره، لعبة ذهنية قاسية تتطلب ثباتًا انفعاليًا عاليًا، وهو ما يتضاعف عند دمجها برياضة بدنية عنيفة مثل الملاكمة.

وعن طبيعة التدريب، يوضح كارل أن «بوكسنج شطرنج» لا تعتمد أساسًا على القوة البدنية، بل على الاستعداد الذهني، والقدرة على تهدئة العقل بعد جولة ملاكمة، ثم الجلوس فورًا أمام الرقعة لاتخاذ قرارات دقيقة. هذا النمط من التدريب، بحسب رؤيته، يصنع لاعبًا أكثر وعيًا بجسده وعقله معًا.

ومن خلال إقامته في مصر، لاحظ كارل وجود طاقات شبابية قادرة على استيعاب هذا النمط المختلف من الرياضة، خاصة بين الناشئين، إلا أنه يشدد على أن إدخال هذه التجربة يحتاج إلى تخطيط طويل المدى وبرامج تدريبية متخصصة، بدلًا من نقلها بشكل مباشر إلى لاعبين كبار.

ويرى كارل أن مصر، بما تمتلكه من قاعدة شبابية واسعة وشغف متزايد بالرياضات الذهنية، يمكن أن تكون بيئة مناسبة لتجربة هذا الدمج الرياضي إذا توفر له الإطار المؤسسي المناسب، ليس فقط لخلق نوع جديد من المنافسة، بل لإعادة تعريف مفهوم اللاعب الشامل.

وبين رؤية الخبراء، وطموح اللاعبين، وتحديات الدعم والتمويل، يتشكل مشهد الشطرنج في مصر اليوم؛ مشهد لا يخلو من العقبات، لكنه زاخر بالإمكانات، ويؤكد أن الاستثمار في العقول الصغيرة قد يكون الرهان الأذكى لصناعة أبطال قادرين على نقل الشطرنج المصري إلى آفاق أوسع.

Tagged: