Home / سهم / صناعة المستحيل.. كيف يفتح الاقتصاد الدائري بيوت الفئات الأكثر احتياجاً؟

صناعة المستحيل.. كيف يفتح الاقتصاد الدائري بيوت الفئات الأكثر احتياجاً؟

فيتشر: روضة طارق – حبيبة احمد – زينب احمد

في مدينة لا تنام، حيث تتكدس التفاصيل اليومية بين زحام الشوارع وضجيج الحياة، تمر آلاف الأشياء دون أن يلتفت إليها أحد. ورقٌ يُلقى بعد انتهاء مهمة عابرة، زجاجٌ يتحطم أو يُستبدل دون تفكير، وأقمشةٌ تفقد قيمتها بمجرد خروجها من دائرة الاستخدام. كل ذلك يتحول، في لحظة ما، إلى «نفايات» تُدفع خارج المشهد، كأنها لم تكن يومًا جزءًا من دورة الحياة. لكن خلف هذا المشهد المعتاد، تتشكل حكاية مختلفة تمامًا؛ حكاية تبدأ من حيث يظن الجميع أن النهاية قد حانت.

في السنوات الأخيرة، لم تعد النفايات مجرد عبء بيئي أو مشكلة خدمية، بل أصبحت عنوانًا لتحول أعمق في طريقة التفكير، خاصة مع تصاعد الحديث عن الاستدامة والاقتصاد الأخضر. وفي مصر، التي تنتج نحو 90 مليون طن من النفايات سنويًا، لم يعد السؤال يدور فقط حول «كيف نتخلص من المخلفات؟»، بل حول «كيف نستفيد منها؟». هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة ضغوط بيئية متزايدة، وتحديات اقتصادية دفعت كثيرين إلى إعادة النظر في مفهوم «القيمة» نفسه.

داخل هذا السياق، بدأت مبادرات صغيرة، بعضها انطلق من جمعيات أهلية، وأخرى من جهود فردية، في إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان ومخلفاته. لم تعد هذه الكيانات تنظر إلى الورق أو الزجاج أو القماش باعتبارها مواد مستهلكة، بل كمصادر خام قابلة لإعادة التشكيل، تحمل في داخلها إمكانية حياة جديدة. هذه الفكرة، رغم بساطتها، فتحت الباب أمام مساحات واسعة من الابتكار، حيث اختلطت الحرف اليدوية بالتقنيات البسيطة، وتحوّل العمل اليومي إلى تجربة تحمل بعدًا بيئيًا وإنسانيًا في آن واحد.

الأمر لا يتعلق فقط بإعادة تدوير مواد، بل بإعادة تدوير أفكار. فحين تُجمع الأوراق القديمة من المدارس والمكاتب، لا يتم فقط إنقاذ الأشجار من القطع، بل يُعاد توظيف مفهوم الاستهلاك نفسه. وحين تُعاد صياغة الزجاجات المكسورة إلى قطع فنية، لا يتم فقط تقليل التلوث، بل يُعاد تعريف الجمال من خلال ما كان يُعتبر مهملًا. أما الأقمشة، التي كانت يومًا مجرد بقايا مصانع أو ملابس قديمة، فتتحول على أيدي الحرفيين إلى سجاد يحمل روحًا خاصة، يجمع بين البساطة والابتكار.

هذه التحولات لا تحدث في فراغ، بل داخل مساحات عمل بسيطة، قد لا تتجاوز بضعة أمتار، لكنها تمتلئ بالحياة. هنا، تعمل أيادٍ اعتادت أن ترى في الأشياء أكثر مما تبدو عليه. سيدات ورجال، شباب وكبار، يجتمعون حول فكرة واحدة: أن كل ما يُلقى يمكن أن يُعاد استخدامه، وأن كل ما يُهمل يمكن أن يستعيد قيمته. في هذه الورش، لا يُقاس النجاح فقط بعدد المنتجات، بل بقدرة الفكرة على الاستمرار، وعلى خلق دوائر جديدة من التأثير تمتد إلى المجتمع المحيط.

ورغم أن هذه المبادرات تبدو محدودة النطاق، فإن تأثيرها يتجاوز حدودها بكثير. فهي لا تساهم فقط في تقليل حجم النفايات، بل تفتح أيضًا أبوابًا للعمل، خاصة للفئات التي تبحث عن فرص خارج الأطر التقليدية. كما أنها تلعب دورًا مهمًا في نشر الوعي البيئي، من خلال تقديم نموذج عملي يُظهر أن التغيير ممكن، حتى بأدوات بسيطة.

لكن الطريق ليس خاليًا من التحديات فضعف البنية التحتية، ونقص التمويل، وغياب الوعي الكافي في بعض المناطق، كلها عوامل تعرقل التوسع في هذا المجال ومع ذلك، تستمر هذه التجارب في النمو، مدفوعة بإيمان القائمين عليها بأن ما يفعلونه ليس مجرد عمل، بل رسالة.

في هذا الفيتشر، نقترب من هذه العوالم الصغيرة، لنكتشف كيف تتحول النفايات إلى منتجات، والمواد المهملة إلى فرص، والأفكار البسيطة إلى حكايات قادرة على تغيير الواقع. إنها رحلة تبدأ من الهامش، لكنها تحمل في طياتها إمكانية الوصول إلى مركز الاهتمام، حيث يُعاد تعريف كل شيء… من البداية.

الورق… ذاكرة لا تُمحى بل يُعاد تشكيلها

في إحدى الورش، تتراكم رزم من الورق القديم، بعضها يحمل بقايا حروف، وبعضها الآخر لا يزال يحتفظ بآثار استخدامه السابق. هذه الأوراق، التي كانت يومًا جزءًا من دفاتر وملفات ومستندات، لم تعد صالحة للاستخدام في صورتها الأولى، لكنها لم تفقد قيمتها بالكامل. على العكس، هنا تبدأ رحلتها الحقيقية.

تبدأ العملية بجمع هذه المخلفات من مصادر متعددة، في مشهد يعكس تداخل المجتمع في هذه المنظومة؛ مدارس تتخلص من أوراقها القديمة، مكاتب تفرغ أرشيفها، ومنازل تساهم بما لديها. بعد ذلك، يتم فرز الورق بعناية، حيث يُفصل حسب النوع واللون، لأن لكل نوع خصائصه التي تؤثر على المنتج النهائي.

في المرحلة التالية، يتحول الورق إلى شيء مختلف تمامًا. داخل ماكينات بسيطة، يتم تقطيعه وخلطه بالماء، ليتحول إلى عجينة لينة، أشبه بكتلة جديدة بلا ملامح. هذه العجينة، التي قد تبدو بلا قيمة للوهلة الأولى، تحمل في داخلها إمكانية التشكيل من جديد.

ثم تأتي مرحلة القوالب، حيث تُسكب العجينة داخل أشكال محددة، ويتم التخلص من المياه الزائدة تدريجيًا. ومع الوقت، تبدأ ملامح الورقة الجديدة في الظهور، قبل أن تمر بمراحل التجفيف والكبس، وصولًا إلى شكلها النهائي.

لكن القيمة الحقيقية لا تكمن فقط في المنتج، بل في الرحلة نفسها. فكل ورقة جديدة تحمل في داخلها قصة إعادة ميلاد، وتعكس فكرة أن ما ينتهي دوره في سياق ما، يمكن أن يبدأ من جديد في سياق آخر. هنا، لا يُمحى الماضي، بل يُعاد تشكيله.

الزجاج… حين يتحول الصلب إلى فن

الزجاج مادة تبدو للوهلة الأولى صلبة ونهائية، فإذا تحطمت، يصبح من الصعب تصور عودتها إلى الحياة. لكنه، في هذه الورش، يثبت عكس ذلك تمامًا. فكل قطعة زجاج، مهما بدت مكسورة أو مهملة، تحمل إمكانية أن تصبح شيئًا جديدًا.

تبدأ الرحلة بجمع الزجاج، الذي يصل في أشكال مختلفة، من زجاجات مشروبات إلى ألواح مكسورة. يتم تنظيفه بعناية، لأن أي شوائب قد تؤثر على جودة المنتج النهائي. بعد ذلك، يدخل الزجاج إلى الأفران، حيث يتعرض لدرجات حرارة عالية تجعله أكثر مرونة.

في هذه المرحلة، تبدأ عملية التشكيل، باستخدام أدوات دقيقة تمنح كل قطعة شكلها الخاص. ثم يأتي التلوين، باستخدام أكاسيد تضيف أبعادًا جمالية للمنتج. وأخيرًا، يعود الزجاج إلى الأفران مرة أخرى، ليخرج في صورته النهائية.

النتيجة ليست مجرد منتج، بل قطعة فنية تحمل في داخلها قصة تحول. من مادة كانت مهددة بأن تبقى في البيئة لسنوات، إلى عنصر جمالي يزين المنازل والمساحات العامة. إنها رحلة تثبت أن الصلابة لا تعني الجمود، وأن التحول ممكن حتى في أكثر المواد ثباتًا.

الأقمشة… خيوط تحيك فرصًا جديدة

في عالم المنسوجات، تُنتج كميات هائلة من المخلفات، غالبًا ما ينتهي بها المطاف دون استخدام. لكن داخل هذه المبادرات، تتحول هذه البقايا إلى مصدر إبداع.

تبدأ العملية بجمع الأقمشة، التي تأتي من مصانع أو منازل، ثم يتم فرزها بعناية، قبل تقطيعها إلى شرائط طويلة. هذه الشرائط لا تُستخدم كما هي، بل تتحول إلى خيوط، تُصنع يدويًا، ما يمنح الحرفيين مرونة في التحكم بالألوان والتصميم.

على الأنوال اليدوية، تبدأ عملية النسيج، حيث تتحرك الأيدي والأقدام في تناغم، لتنتج سجادًا يحمل طابعًا خاصًا. كل قطعة تختلف عن الأخرى، لأن كل منها تُصنع يدويًا، وتحمل بصمة من صنعها.

هذه المنتجات ليست فقط صديقة للبيئة، بل تعكس أيضًا قيمة العمل اليدوي، وتعيد الاعتبار للحرف التقليدية في زمن تسيطر فيه الآلات. إنها دليل على أن الابتكار لا يحتاج دائمًا إلى تقنيات معقدة، بل إلى رؤية مختلفة لما هو موجود بالفعل.

فى هذا السياق، قال الدكتور محمود عبدالعال، خبير إدارة المخلفات وتقييم الأثر البيئي، إن إعادة التدوير لم تعد مجرد نشاط بيئي تقليدي، بل أصبحت أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الحديث، مضيفًا أن «التعامل مع النفايات باعتبارها موردًا اقتصاديًا يمكن أن يغير شكل منظومة الإنتاج والاستهلاك بالكامل».

وأضاف أن الدول التي نجحت في تعظيم الاستفادة من المخلفات لم تحقق فقط مكاسب بيئية، بل استطاعت خلق صناعات جديدة وفرص عمل مستدامة، وهو ما يجعل الاستثمار في هذا القطاع ضرورة وليس خيارًا.

وأشار إلى أن مصر تمتلك فرصة كبيرة في هذا المجال، خاصة مع الحجم الضخم من النفايات اليومية، موضحًا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفر المخلفات، بل في كفاءة جمعها وفرزها وإعادة تدويرها بشكل منظم.

وفي سياق متصل، قالت الدكتورة هبة السعيد، خبيرة الاقتصاد البيئي، إن مبادرات إعادة التدوير تمثل نموذجًا واضحًا للاقتصاد الدائري، موضحة أن الفكرة تقوم على إعادة إدخال الموارد في دورة الإنتاج بدلًا من التخلص منها، وهو ما يقلل الضغط على الموارد الطبيعية ويخفض التكلفة الاقتصادية.

وأضافت أن «التحول نحو الاقتصاد الأخضر في مصر بدأ يأخذ خطوات عملية، لكن ما زال بحاجة إلى توسيع نطاق المشاركة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني.

وأشارت إلى أن «المشروعات الصغيرة في إعادة التدوير تلعب دورًا مهمًا في دعم الفئات الأكثر احتياجًا، خاصة النساء والشباب، من خلال توفير فرص عمل تعتمد على مهارات بسيطة لكنها ذات قيمة إنتاجية عالية.

كما أوضح المهندس أحمد فوزي، المتخصص في الصناعات الحرفية وإعادة التدوير، أن إعادة تدوير الأقمشة تحديدًا تمثل نموذجًا ناجحًا لدمج البعد البيئي مع البعد الثقافي، قائلًا إن «المنتجات اليدوية المصنوعة من المخلفات تحمل قيمة مزدوجة؛ فهي تحافظ على البيئة من جهة، وتعيد إحياء الحرف التقليدية من جهة أخرى».

وأضاف أن «الطلب المتزايد على المنتجات الصديقة للبيئة ساعد في فتح أسواق جديدة أمام هذه الصناعات، سواء محليًا أو على مستوى التصدير.

وأشار إلى أن «أهم ما يميز هذا النوع من المشروعات هو قدرته على التوسع دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة، وإنما يعتمد بشكل أساسي على التدريب والمهارة».

Tagged:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *